إذًا قوله: {لَتُفْسِدُنَّ} . هذا يدل على أن القضاء في قوله: {وَقَضَيْنَا} . قضاءً كونيًّا، لأنه تعالى لا يقضي شرعًا بالفساد، وإن قضاه كونًا فقد يكرهه سبحانه وكما دل النص على أن الله تعالى لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين لكنه يقضي بذلك لحكمةٍ بالغة كوقوع الكفر والفحشاء والمنكر ونحو ذلك، وأما قضاؤه الشرعي فقد يُرَدّ يقضِي لكن قد لا يقع يَرُدُّه الناس، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] كوني أو شرعي؟ شرعي، هل كل مخلوق قَبِلَ قضاه؟ لا بعضهم رده، لو كان كونيًّا لم يكن مخلوق على وجه الأرض إلا وهو مؤمن موحد بالله تعالى، واضح؟ إذًا قضاؤه الشرعي فقد يُرَدُّ خلاف الكوني، وقد يُريده الله تعالى ولا يقبلونه كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} لأنه لو كان كونيًّا لكان كل الناس يعبدون الله تعالى وهذا لم يقع فدل على أن القضاء هنا قضاءً شرعيًّا، وكلا القضائين قضاء بالحق قد جمعه الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر: 20] . {يَقْضِي} يشمل ماذا؟ القضائين الكوني والشرعي، وقوله: ( «فإنه لا يرد» ) . لكمال سلطانه جل وعلا وقدرته وربوبيته وقهره، إذًا لكماله، لكماله جل وعلا من جهة السلطان والقهر والربوبية لا يُرد قضاؤه لأن هذا شأن الملك.
والحاصل أن قوله: ( «إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد» ) . فيه بيان أن من الأشياء التي سألها النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعطها، ما أعطاه إياها، لماذا؟ لأن الله تعالى قضى أن لا يقع ذلك الشيء وإنما يقع ماذا؟ مقابله، وإذا قضى قضاءً فإنه لا يرد، فلذلك لم يقبل من النبي - صلى الله عليه وسلم - الثالثة، فقوله: ( «إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد» ) . فيه بيان أن من الأشياء التي سألها النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعطها، لأن الله قضى بعلمه وحكمته ذلك، ولا يمكن أن يُرَدّ ما قضاه الله عز وجل.
قوله: ( «وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة» ) . ولفظ أبي داوود: «لا أهلكهم بسنة عامة» بدون باء، يعني في مسلم ( «بعامة» ) ، وفي أبي داوود بدون الباء، وقلنا الباء زائدة كما قال القرطبي، لأن عامة صفة لسنة، وزيادتها حينئذٍ تكون للفائدة وهي التوكيد، أي: أعطاه الله سؤله وسؤاله لأمته أن لا يهلكها بسنةٍ عامة، وهي الجدب الذي يُهلك أخضرهم ويابسهم، فأجاب الله دعاءه، وكان في الأمم السابقة عذاب الاستئصال بخلاف هذه الأمة فإن الله تعالى وله الحمد والمنة قد دفع عنها ذلك ببركة دعاء نبيها - صلى الله عليه وسلم - وهذه واحدة.