فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 2014

النوع الثاني: عبادة شرعية: وهي التي ذكرناها فيما سبق، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصةٌ بالمطيعين لله تعالى، كقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] عبادٌ، هل هو مثل عبدًا هناك؟ لا، عباد هنا خاص، المراد به العبودية التي اتصف بها أصحابها لكونهم ممتثلين لأمر الرب جل وعلا، فالله تبارك وتعالى إنما شاء العبادة من عباده وأرادها منهم قضاها عليهم في الشرع لا في الكون. إذًا {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، فما بعد اللام (لام الحكمة) مطلوب شرعًا لأنه أمر به، أمر به قضاء وكون أو أمر شرع؟ الثاني، وإذا كان كذلك قد يتخلف وقد لا يقع، وأما الأمر القضائي الكوني هل يتخلف؟ الجواب: لا، لا يتخلف، لو كانت اللام هنا للعلة العقلية كما قاله بعض المبتدعة لكان ماذا؟ كل أحد هو عبدٌ لله، لا يوجد أحد على هذه البسيطة من الجن والإنس إلا وهو عابد لله بالمعنى الذي أراده الله عز وجل منه، وهذا حق؟ هل هذا حق؟ لا، باطل، هذا من قاله فهو كافر، لا شك في كفر من لم يكفره، كما يقول ابن تيمية في بعض المواضع، حينئذٍ {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) المراد به العبادة الشرعية، فالله تبارك وتعالى إنما شاء العبادة من عباده وأرادها منهم وقضاها عليهم في الشرع لا في الكون فمن أطاع أمره وأتى بما أراده منه فله رضاه والجنة، ومن خالف في ذلك فله سَخَطُهُ سُخُطُهُ سُخْطُهُ بضم وسكون، والنار فله سَخَطُهُ والنار، ولو شاء الله من جميعهم العبادة وأرادها في الكون لم يكن لهم بد من ذلك، ولم يكن لأحدٍ إلى معصية الله من سبيل، نعم، لو أراد الله عز وجل أن جميع الإنس والجن يطيعوه لأطاعوه لكنه ما أراد ذلك، ما الدليل على أنه ما أراده؟ إذ لو أراده لوقع، فعدم ترتب الفعل المترتب على الإرادة دل على أنه لم يرد، ولذلك في الآية الثانية {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} ) ولذلك ذكروا أن الجزء من هذه الآية مفسر للآية السابقة، إذا فمنهم من يعبد الله، ومنهم من لا يعبد الله، لو أراد منهم العبادة شرعًا لما تخلف واحدٌ البتة عن أن يكون مطيعًا لله عز وجل، إذًا هذه الإرادة المراد بها الإرادة الشرعية فدلت الآية ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) على أمرين:

أولًا: الحكمة من خلق الخلق. وهذا فيه كما قلنا في النفي والإثبات مأخوذٌ من ( {وَمَا} ) و ( {إِلَّا} ) ، ففيه قصر وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، كأنه قال: ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) لأي حكمة من الحكم إلا لحكمة واحدة وهي عبادته جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت