عزائم ورقى وعقد تُؤَثِّرُ في القلوب والأبدان، لها تأثير في القلوب والأبدان، فيُمْرِض يعني السحر، ويقتل ويُفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، يعني له تأثير حِسِّيّ. قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] . وقال سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1] ... إلى قوله: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4] . يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهِنَّ ويَنْفُثْنَ في عقدهنَّ ولولا أن للسحر حقيقةً لم يأمر بالاستعاذة منه - والكلام لابن قدامة رحمه الله تعالى - وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُحِرَ - وهو كذلك ثابت - حتى أنه لا يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله - وهذا من قبيل التخييل - وأنه قال لها ذات يومٍ: «أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب» . يعني مسحور «قال: من طَبَّهُ؟ قال: لَبِيدُ بن أَعْصَم في مِشْطٍ ومُشَاطَة في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ» . المشط أسنان ما يُمْشَطُ به، والْمُشَاطَة ما يخرج من الشعر، المشط الأسنان، والمشاطة الشعر الذي يكون فيه، وجُفّ طلعة ذكر غِشَاؤها وهو الوعاء الذي يكون في الطَّلْعِ. «في بئر ذِي أَرْوَان» ، أو ... «ذُرْوان» كلاهما صحيح، هي بئر بالمدينة في بستان بني ذُرِيْع. الحديث رواه البخاري رحمه الله تعالى. انتهى كلام ابن قدامة بعد بيان أولًا حدّ السحر، ثم بين أن له حقيقة، ثم بين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت أنه قد سُحِرَ.
وسحره عليه الصلاة والسلام في جسده الشريف وظاهر جوارحه الكريمة، لا في قلبيه وعقله واعتقاده، فلا يقدح حينئذٍ في مقام النبوة، يعني لا يتعلق بالدين، وإنما يتعلق بماذا؟ بأمور دنيوية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُبعث من أجل الدنيا، وإنما بعث من أجل الدين، حينئذٍ إذا تَعَلَّقَ السحر بشيء يتعلق بالدنيا حينئذٍ لا تأثير له في مقام الشّرع.
وقد اختلف في السحر هل له حقيقةٌ أم لا؟ هل له حقيقة أم هو مجرد تَخْيِيل؟ يعني شيء يكون غِشاوة على البصر فقط وليس له حقيقة في ذاته، ثَمَّ قولان لأهل العلم، فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه تخييل لا حقيقة له، ليس له حقيقة، فإنما هو مجرد تخييل فحسب، ولا أصل له، وهذا القول ليس بصحيح على إطلاقه، يعني نفي أن يكون السحر حقيقة هذا [ليس على] ليس بصواب وإنما منه ومنه، منه ما هو حقيقة، ومنه ما هو تخييل، وذهب من عَدَاهم عَدَا المعتزلة وأبا حنيفة إلى أن له حقيقةً مُؤثرة وهو كذلك، له حقيقة مؤثرة.