قال النووي رحمه الله تعالى في (( شرح مسلم ) ): قال الْمَازَرِيّ رحمه الله مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر - أنه ثابت في نفسه - وأن له حقيقةً كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافًا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع فيه إلى خيالاتٍ باطلةٍ لا حقائق لها. فرَدَّ كل ما يأتي من شأن الإنسان المسحور ردّه إلى الخيال، وقد ... ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يُتَعَلَّم، والسحر يُتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يُكْفَرُ به، يعني هو من النواقض - وسيأتي أنه كذلك - وأنه يُفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يُمكن فيما لا حقيقة له، يعني يُرَدُّ على من قال بأن السحر كله خيال لا أصل له ولا حقيقة نقول: هو عِلْمٌ يُتعلم، والذي يُتعلم لا يمكن أن يقال بأنه لا حقيقة له ولا أصل له، ثم هو ناقض من نواقض الإسلام، إذًا لا بد أن يكون بشيء موجود وهو كذلك، ثم له تأثير يُفرق بين المرء وزوجه، أليس كذلك؟ ويمرض ويقتل، إذًا له تأثير، فإذا كان كذلك فهو حقيقة، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضًا مصرح بإثباته، المقصود بهذا الحديث ما جاء - حديث عائشة السابق - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سُحِرَ، هذا يدل على ماذا؟ على أن له حقيقة، ولذلك دُفِنَ وأُخْرِجَ، إذًا شيءٌ ليس كله خَيال إنما منه ومنه، والغالب فيه أن له حقيقة، قال: وهذا الحديث أيضًا مُصَرِّح بإثباته، وأنه أشياء دُفِنَت وأُخْرِجَت وهذا كله يُبْطِلُ ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق محال. وهو كذلك، ولا يُستنكر في العقل، يعني لا يستغرب ولا يُعَدُّ مُنكرًا عقلًا أن الله سبحانه وتعالى يَخْرِقُ العادة عند النطق بكلامٍ مُلَفَّق، كما هو شأن الساحر، عزائم ورقى وعقد، أو تركيب أجسامٍ، أو الْمَزْج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر، يعني خروج الأشياء عن العادة بسبب ما يفعله الساحر هذا ليس بمستنكر في العقل، بل ضَرَبَ أمثلة في الشاهد فقال رحمه الله: وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام - محسوسات منها قاتلة كالسموم - أليس كذلك؟ السموم لها تأثير فتقتل، ومنها مُسْقِمَةٌ يعني ممرضة كالأدوية الحادة، وكذلك السحر، ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض، هذه أجسام موجودة وخلقها الله تعالى ولها تأثير بالقتل والمرض والمضرة لم عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوًى قتالة لها تأثير كما تؤثر هذه السموم، فحينئذٍ لا فرق بينهما البتة، فلا يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوًى قتالة، أو كلامٍ مهلكٍ، أو مؤدٍ إلى التفرقة. قال: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسببٍ آخر فزعم أنه يَحُطُّ من منصب النبوة ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وهذا الذي ادَّعَاه هؤلاء المبتدعة باطلٌ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدةٌ بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، وهذا واضحٌ بَيّن، يعني لا ينكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سُحِرَ بحجة أن ذلك يفقد الثقة بالشرع، هذا باطل.