فإما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مُفضلًا من أجلها، النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فُضِّل على الخلق بسبب الدنيا وهو ما يعرض للبشر فغير بعيدٍ أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة لهُ، وقد قيل: إنه إنما كان يُخَيَّلُ إليه أنه وطء زوجات وليس بواطئ، وهذا لا علاقة له بالشرع، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يَبْعُد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له، وقيل: إنه يُخَيَّلُ إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله فتكون اعتقاداته على السداد، وهذا واضحٌ بين بمعنى أنه لا يُسْتَنْكَر أن ... النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سُحِر لأننا نقول: هذا السحر الذي وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا علاقة له بالشرع البتة، وإنما هو يتعلق بأمرٍ من أمور الدنيا، ولم يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل الدنيا، وأما الشرع فهو معصومٌ عليه الصلاة والسلام.
قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا الحديث مُبَيِّنَةٌ أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده، كما ذكرنا سابقًا.
قال ابن هُبَيْرَة: أجمعوا على أن السحر له حقيقةٌ إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له.
وقال القرطبي: وعندنا أن السّحر حقٌ، وله حقيقةٌ، يخلق الله عنده ما يشاء بسببه - عنده هذا فيه مذهب الاشاعرة وهو إنكار تأثير الأسباب بذاتها، يعني الله عز وجل يخلق الْمُسَبَّب بِسبَبِ هذا السبب وهم لا يرون ذلك، ولذلك يُعبرون بعند، والقرطبي على شاكلتهم. قال: وعندنا أن السحر حقٌ وله حقيقةٌ يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الاسفرائيني حيث قالوا: إنه تمويهٌ وتخْيِيلٌ، وكما ترى قولان متقابلان، منهم من يرى أن السحر تَخْيِيلٌ محض ولا حقيقة له، ومنه من عكس فأثبت أنه حقيقةٌ وله أصلٌ ولا يكون تَخْيِيلًا، والوسط هو الحق أنه يكون كذا وكذا، ولذلك قال الحافظ حكمي رحمه الله تعالى قلت: قد ثبت وتقرر من هذا وغيره تَحَقُّقُ السحر - أنه حقٌ - وتأثيره بإذن الله، ووثبت ذلك بظواهر الآيات والأحاديث وأقوال عامة الصحابة وجماهير العلماء بعدهم رواية ودراية، فأما القتل به والأمراض والتفرقة بين المرء وزوجه وأخذه بالأبصار فحقيقةٌ لا مكابرة فيها، يعني شيءٌ محسوسٌ موجود مُدْرَكٌ، وأما قلب الأعيان وهنا الذي وقع في كونه لا يكون حقيقة لأنه يرى العصا حيةً، هذا ما يسمى بقلب الأعيان، هل للساحر أن يقلب العصا حيةً أو لا؟ هو الذي جعل ماذا؟ من يقول بأن السحر لا يكون إلا تَخْيِيلًا، قال: هذا ليس إلا إلى الله عز وجل.