فهرس الكتاب

الصفحة 1047 من 2014

قال رحمه الله: وأما قلب الأعيان كقلب الجماد حيوانًا وقلب الحيوان من شكلٍ إلى آخر فليس بمحالٍ في قدرة الله عز وجل، ولا غير ممكن، فإنه هو الفاعل في الحقيقة وهو الفعال لِمَا يُريد، فلا مانع من أن يحول الله ذلك عندما يُلْقِي الساحر ما ألقى امتحانًا وابتداءً وفتنةً لعباده. ولذلك يأتي الدجاج في آخر الزمان ومعه جنةٌ ونار ويقول للسماء: أمطري. أليس كذلك؟ هذا فيه تغييرٌ وقلبٌ للأعيان. قال رحمه الله: ولكن الذي ... أخبرنا الله تعالى به في الواقع من سحرة فرعون في قصتهم مع موسى إنما هو التخييل والأخذ بالأبصار حتى رأوا الحبال والعصي حياتٍ، فنؤمن بالخبر ونصدقه ولا نتعدَّاه، ولا نبدل قولًا غير الذي قيل لنا، ولا نقول على الله ما لا نعلم، وبالله التوفيق.

أراد رحمه الله تعالى أن يُبَيِّن أن قلب الأعيان من شأن الله تعالى، ولكن لا مانع أن الله تعالى يَجْعَلُ للساحر قدرةً لكن بعد إذنه جل وعلا في قلب العصا مثلًا حيّةً أو قلب الجماد حيوانًا، لكن الذي جاء في قصة موسى وهو محل النزاع أن الله تعالى أخبر أنه ماذا؟ أنه يُخَيَّل، إذًا من قبيل ماذا؟ من قبيل التخييل والأخذ بالأبصار، يعني يرون ببصرهم ماذا؟ أن العصا صارت حية لكن في الواقع العصا هي عصا، وإنما وقع الخيال في البصر فقط، لكن لا مانع بأن يجعل الله تعالى للساحر بسبب ما يُلْقِيه من كلماتٍ ونحوها امتحانًا للخلق وفتنةً أن يجعل ماذا؟ أن يجعل العين منقلبةً من عينٍ إلى عينٍ أخرى.

إذًا الصواب أن نقول: أن السحر منه حقيقة ومنه تخييل ولا مانع من الجمع بين القولين.

والحاصل أن السحر حقٌ، أي متحققٌ وقوعه وجوده، ولو لم يكن موجودًا حقيقة ًلم تجد النواهي عنه بالشرع والوعيد على فاعله والعقوبات الدنيوية والدينية والعقوبات الدينية والأخروية على متعاطيه، والاستعاذة منه أمرًا وخبرًا، وقد يكون تخيلًا كما في قوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] .

ثم اعلم أن تأثير السحر - كما سبق أن له تأثيرًا يقتل ويُمرض ونحو ذلك - لكن هذا التأثير ليس بذاته، لأنه سببٌ وإن كان سببًا محرمًا ليس بذاته، وإنما هو بإذن الله جل وعلا، ولكن هذا التأثير بإذن الله تعالى وقضائه الكوني لا الشرعي الديني، فإن الله لم يأذن به، والقضاء الكوني يشمل النوعين: يشمل ما يرضاه الله تعالى ويحبه شرعًا. وما لا يرضاه في الشرع ولا يحبه.

وأما الشرعي فهذا يختص بمحبه جل وعلا وما يرضى به، فالسحر حينئذٍ لا يؤثر ببذاته وإنما بقضاء الله تعالى الكوني. قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة: 102] . إذًا أثبت ماذا؟ أثبت الإذن، والمراد بالإذن هنا الإذن الكوني لا الشرعي، لأن الله تعالى لا يرضى بالسحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت