إذًا زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، حينئذٍ تعلق بالطير، ولذلك العيافة أخص من الطِّيَرة، الطِّيَرة فيها معنى التشائم لكنه قد يكون بالسواد باللون، وقد يكون بالشخص لا بالحيوان، وأما الطيرة وأما العيافة فهي خاصةٌ بالطير فقط، والطيرة أعم منها والفرق بينها وبين الطيرة أن الطيرة هي التشائم بها يعني بالطيور، وقد تستعمل في التشاؤم بغير الطير من حيوانٍ وغيره، وسيأتي ما يتعلق بالطيرة في بابٍ خاصٍ به.
قال: (والطَّرْقَ) بالنصب عطفٌ على قوله: (العيافة) ، ( «إن العيافة والطرق والطيرة من الْجِبت» ) بكسر الجيم ( «الطرق» ) قال هنا فسره بماذا؟ عوف الخط (الخط يخط بالأرض) هكذا فسّره عوفٌ، وهو تفسيرٌ صحيح. قال أبو السعادات: هو الضرب بالحصا الذي يفعله النساء. كأنه من الطريق يعني: من طرق الأرض لطرقها إذا سار عليها، وتخطيطها مثل المشي عليها يكون له أثرًا في الأرض كأثر السير عليها، يعني طارق مأخوذ من الطريق، إذا ضرب بقدمه مشى أَثَّرَ فيه، كذلك الخط يَخُطُّهُ على الأرض يُؤثر فيه فحينئذٍ سُمِّيَتْ بذلك، فهو مما يخطه الرمالون وغيرهم، ويَدَّعُونَ بِهِ علم الْمُغَيَّبَات. قال ابن عباس فيما أُثِِرَ عنه: هو الذي يَخُطُّه الْحارِزُ يأتي صاحب الحاجة فيعطيه حُلْوَانًا شيءً مما تَعَلَّقَ بالثمن، فيقول له: اقعد حتى أَخُطَّ لك. وبين يدي الحارز غلامٌ له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رِخْوَة لَيِّنَة هَشَّة فيَخُطُّ فيها خطوط كثيرةً بالعجلة، يعني بسرعة لئلا يلحقها العدد، لئلا لا يعدها الناظر، ثم يرجع، فيمحو منها على مَهَلٍ خَطَّيْنِ خَطين وغلامه يقول للتفاؤل ابن عيان أسرع البيان، فإن بَقِيَ خطان فهو علامة النجاح، وإن بَقِيَ خطٌّ واحد فهو علامة الخيبة. هذا تفسير الخط فيما يفعلونه، وقوله: (والطرق: الخط يخط بالأرض) . ما رواه مسلمٌ وغيره عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: ومنَّا رجالٌ يَخُطُّون. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «كان نبيٌ من الأنبياء يخط» . الحديث في مسلم ثابت، «فمن وافق خَطَّهُ فذاك» . هذا ليس فيه ماذا؟ ليس فيه استثناء أو تخصيص لقوله: ( «والطرق من الجبت» ) . لا يفهم منه أنه مخصصٌ لهذا النوع، لماذا؟ لأنه غيبٌ من الذي يَدَّعِي بأن خطه وافق خط ذاك النبي، إن ثبت فذاك وإلا فلا، حينئذٍ يكون الأصل ما هو؟ الأصل المنع. قال النووي وغيره: من وافق خطه فهو مباحٌ له، لكن لا طريق لنا إلى العلم باليقين بالموافقة فلا يباح بل يصير من أنواع الكهانة لمشاركته لها في المعنى. وهو كذلك.
إذًا لا يستدل بهذا النص على أن الخط جائزٌ في بعض الأحوال، ويعتبر مخصصًا لقوله: ( «والطرق من الجبت» ) . لأننا نقول: من وافق خطه فذاك. من الذي يعلم هذا النبي؟ من هو النبي أصلًا هذا؟ حينئذٍ نحتاج إلى معرفةٍ، فإن وافق خَطُّهُ خَطَّهُ فذاك، لكن لم يُنْقَلْ إلينا صفة ذاك الخط، وحينئذٍ دعوة الموافقة باطلة، فنبقى على الأصل وهو المنع.