فهرس الكتاب

الصفحة 1097 من 2014

أولًا نقول الكهانة كصنعة هي: ادعاء علم الغيب لا شك في ذلك، وأكثر الشراح على هذا، وكل من تكلم في الكهان بين أنهم يدعون علمَ الغيب، فإذا كان كذلك انتهى، يعني انتهى الحكم بكون هذه اللفظة شاذة، لأن الذي يصدق من يدعي علم الغيب لا شك في كفره، فإذا كان كذلك حينئذٍ كيف يقال بأنه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا؟ هذا يدل على أن هذه اللفظة مصادمة لظاهر القرآن، نقول: {لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] . وإذا ادعى بأن هذا العراف أو الكاهن يعلم الغيب كان مكذبًا للقرآن، إذًا لا يمكن أن تكون هذه اللفظة صحيحة، إذًا أول الكهانة هي ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سببٍ وهو استراق السمع كما مر، استراق السمع وغيره، والله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها، أو صَدَّق من يدعي ذلك فقد جعل لله شريكًا في ما هو من خصائصه وهو مكذبٌ لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، هذا الوجه إذا فهمته وأدركته حَكمت جزمًا ولم تتردد بأن هذه اللفظة شاذة ولا يمكن قبولها البتة لأنها مصادمة لأصلٍ بل مصادمة لظاهر القرآن، وكثير من الكِهَانة أو وكثير من الكِهَانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي يستعان بها على دعوى العلوم الغيبية، فالكهانة شرك من جهة دعوى مشاركة الله تعالى في علمه الذي اخْتَصَّ به، [ومن جهة التقرب إلى الله تعالى] [1] ، من جهة التقرب إلى من؟ إلى الشياطين فهي شركٌ من جهتين، فالكهانة شركٌ من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اخْتَصَّ به، ومن جهة التقرب إلى غير الله تعالى من الشياطين ونحوهم، فمن صدق الكهان كفر كفرًا أكبر، من صدق الكهان والعرافين فقد كفر كفرًا أكبر، لأنه لا يجتمع التصديق كما سينص المصنف هنا في المسألة الأولى لا يجتمع التصديق بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - والتصديق بما عند الكهان من عمل الشياطين، فهما ضدان لا يجتمعان، فالظاهر من النص في الحديث الآتي ذكره ( «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر» ) ، أي كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، فثَمَّ حكمان متغايران، ومحكوم عليهما كذلك متغايران، فالصورتان متغايرتان، وإن كان الفاعل قد يكون واحدًا والْمَأْتِيُّ إليه قد يكون واحدًا عراف وعراف كاهن وكاهن، فشخص أتى لزيد العراف فسأله ولم يصدقه، وعمرو أتى أو هو زيد أتى إلى عراف آخر فصدقه، إذًا صورتان.

الأولى: مسلم وكافر كفرًا أصغر.

والثاني: كفر أكبر مخرج من الملة.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت