فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 2014

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقال) يعني أبو داود بعد رواية الحديث (سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله) . ابن مسعود الصحابي الجليل يكره هذا كله، الإمام أحمد روى الحديث السابق (سئل عن النُّشْرَة فقال: «هي من عمل الشيطان» . رواه أحمد) إذًا هو يعلم الحديث، لكن أجاب بماذا؟ أجاب بقول الصحابي، ذهب بعضهم إلى أنه لا يعلم الحديث. كيف لا يعلم الحديث وهو قد روى الحديث؟ لكن أراد ماذا؟ أراد أنه موافق لفهم ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، لأن الإمام أحمد كغيره لا يستقلون بفهومهم في النظر في النصوص، فلا بد من فهم الصحابة في ذلك، وأجاب بقول ابن مسعود، إذًا قوله هنا: ابن مسعود يكره هذا كله. قال بعضهم: هنا أجاب الإمام أحمد بقول الصحابي، وكأن ليس عنده أثر صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وإلا لاستدل به. وهذا الجواب ضعيف، وهذا لا يطعن حتى لو قيل بأنه رواه واستدل بقول الصحابي، وكان قول الصحابي مخالفًا للحديث هذا لا يطعن في السند ولا يطعن في الحديث، بل إن خالف قول الصحابي نصًّا واضحًا بينًا فالنص مقدم على ماذا؟ على فهم الصحابي، لأن قول الصحابي - عند من قال بحجيته يشترط ماذا؟ - أن لا يكون مخالفًا للنص، فإن كان مخالفًا لنص قُدِّمَ النص عليه، وهذا واضح بَيّن، إذًا لا يطعن في سند الحديث حيث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى ولم يستدل به، ومراد أحمد أن ابن مسعود يكره النُّشْرَة التي هي من عمل الشيطان كما يكره تعليق التمائم مطلقًا، فإن ابن مسعود - كما مر معنا - رضي الله تعالى عنه كان يكره التمائم كلها من القرآن وغير القرآن. إذًا سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. كله يدل على ماذا؟ على أن ثَمَّ أنواع حينئذٍ من باب إحسان الظن بالصحابي يقال ماذا؟ أنه يكره يعني يُحَرِّمُ، فالكراهة بمعنى التحريم، ثم يكره ماذا؟ النُّشْرَة التي هي الخاصة بالمعنى الخاص، وهي حل السحر عن المسحور بسحرٍ مثله، ثم النوع الثاني الذي وقع فيه النِّزَاع وهو التمائم، والتمائم سواء كانت من القرآن أو غيرها، حينئذٍ هي ممنوعة، وإذا قلنا: هي ممنوعة حينئذٍ لو كتب مسحور شيئًا من القرآن فعله على رقبته يجوز أو لا يجوز؟ على الخلاف، هل يجوز تعليق القرآن أم لا؟ قلنا: الصواب أنه لا يجوز، لكن لو أخذ أحدٌ برأي من جَوَّزَ نقول: لا بأس به، لكن الشأن هنا كل الشأن في ماذا؟ حل السحر بسحرٍ مثله، وأما مسألة تعليق التمائم بشيء من القرآن هذا أمر وأخصّ ولا شك، فإن ابن مسعود كان يكره التمائم كلها من القرآن وغير القرآن، أما النُّشْرَة التي تكون بالتعويذ والرقى بأسماء الله وكلامه من غير تعليق فلم يكره أحدٌ البتة، فإن ابن مسعود كان يكره النُّشْرَة التي هي من عمل الشيطان والنُّشْرَة التي بالكتابة وتعليق كالتمائم لأنها قد تعلق للعين أو لرفع السحر، فدل ذلك على أن الإمام أحمد يذهب إلى ما ذهب إليه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو تحريم هذا كله، ومستنده الحديث، وليس المراد أنه ترك الحديث من أجل ابن مسعود، لا، وإنما قول ابن مسعود موافق للحديث، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «هي من عمل الشيطان» ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت