فهرس الكتاب

الصفحة 1147 من 2014

فالحاصل أن قوله تعالى: ( {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ) أي حظكم وما نالكم من خير وشرٍّ معكم بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم وعدوانكم، فطائر الباغي الظالم معه وهو عند الله، ولو فقهوا أو فهموا لما تطيروا بما جئت به يعني الرسول، لأنه ليس فيما جاء به الرسل - صلى الله عليه وسلم - عموم الرسول ما يقتضي الطيرة لأنه خير محض لا شرٌّ فيه، وصالح لا فساد فيه وحكمةٌ لا عيب فيها، ورحمةٌ لا جور فيها، فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول السليمة لم يتطيروا من هذا، لأن الطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير المحض والحكمة والرحمة، بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم، وهو عند الله كسائر حظوظهم وأنصابهم التي ينالونها منه بأعمالهم، هذا على معنى، ويحتمل أن يكون المعنى ( {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ) أي راجع إليكم أو عليكم، فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم، وهذا من باب القصاص في الكلام كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى ونظيره قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا سَلَّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» . من باب التماثل والقصاص كذلك طائركم معكم، ولا منافاة بين هذه الآية والتي ذكرها المؤلف قبلها، ما هي؟ ما هي الآية؟

ارفع صوتك.

( {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ} ) لا منافاة بين هذه الآية والآية السابقة، أليس كذلك؟ لأن الأولى تدل على أن الْمُقَدِّرَ لهذا الشيء هو الله، ... ( {طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ} ) .

والآية الثانية تبين سببه، وهو أنه منهم كما سبق بيانه، أليس كذلك؟ الآية التي معنا ( {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ) [يس: 19] ملازم مصاحب، المعية على بابها هنا، ( {عِندَ اللهُ} ) الأول نسبه إلى الله، والثاني نسبه إلى من؟ إليهم هم، إذًا بينهما في الظاهر خلاف، نقول: لا خلاف، الأولى تدل على أنه من عند الله هو الذي قدره وكتبه، والثاني باعتبار أنه سبب، يعني من إضافة المسبب إلى سببه، وسببه الحقيقي لا كما ادعوه هم.

إذًا الآية الأولى تدل على أن الْمُقَدِّرَ لهذا الشيء هو الله، فما وقع من بلاء وقحط ونحوه من عند الله تعالى من قضائه وقدره وحكمه الكوني، والآية الثانية تبين سببه وهو أنه منهم كما سبق بيانه.

مناسبة الآيتين للترجمة: أن التَّطَيُّر من عمل الجاهلية، ومن عمل المشركين، وقد ذمّهم الله تعالى به، ومقتهم عليه، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التطير، وأخبر أنه شركٌ، كما سيأتي، فالله تعالى لم يذكر التطير إلا عن أعدائه فهو من صفاتهم، فإذا كانت كذلك وجب على الأمة أن لا تتشبه بأعداء الرسل، فهو من أمر الجاهلية لا من أمر الإسلام.

ويُستفاد من الآيتين كذلك أن التطير من عمل الجاهلية والمشركين، كذلك التطير كان معروفًا فيما سبق قبل في العرب وفي غيرهن، لأن الآية الأولى في فرعون وقومه إذًا كانوا متطيرين، وهو من أهل الجاهلية.

والثانية في الرسل أصحاب القرية، حينئذٍ نقول: هذه تدل على أن التطير لم يكن من خصائص العرب.

ثانيًا: إثبات القضاء والقدر والإيمان بهما عند الله، فكل من وقع من بلاء وقحط ونحوه فهو من عند الله تعالى وهو كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت