فهرس الكتاب

الصفحة 1153 من 2014

إذًا ( «لا عدوى» ) وليس ثَمَّ ما يُسمى عدوى، حينئذٍ يأتي التقدير هناك ماذا؟ لا عدوى موجودة، خبر لا عدوى موجودة على هذا القول، وفرَّ من المجذوم حفاظًا على معتقد المؤمن لأنه لو خالط المجذوم لوقع في نفسه العدوى التي نفها الشرع، وهذا محظورٌ شرعي ولا شك أن الشريعة تأتي بسدّ الذرائع، فكل ما يؤدي إلى ذريعة الوقوع في المحظور جاء الشرع بحسم المادة والمنع، وحينئذٍ فِرَّ من المجذومً المراد به أنه ليس ثَمَّ عدوى، لا تخف، ولكن خشية أنك لو خالطت هذا المجذوم وانتقل إليك المرض ابتداءً من الله تعالى حينئذٍ نقول ماذا؟ ليس ثَمَّ عدوى ولكنه من الله تعالى لئلا يقع في النفس ما كانت عليه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى حسمًا لهذه المادة مَنَعَ من المخلاطة.

وأولى الأقوال وأحسنها ما قاله البيهقي، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم وهو أن قوله: ( «لا عدوى» ) على الوجه الذي كان يعتقده أهل الجاهلية. يعني نظرًا إلى شيئين:

أولًا سياق النص ( «لا عدوى» ) وما عُطِفَ عليه.

ثانيًا ما كان شائعًا في ذلك الزمن. فإذا كان كذلك حينئذٍ ( «لا عدوى» ) ليست التقدير للخبر هنا موجودة، وإنما ( «لا عدوى» ) مؤثرةً بذاتها بطبعها بنفسها، وهذا الذي عناه ابن القيم وغيره.

إذًا ( «لا عدوى» ) على الوجه الذي كان يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تُعْدِي بطبعها هذا منفيٌ، هو الذي نفاه، وإلا فقد يجعل الله تعالى بمشيئته وتقديره مخالطة الصحيح من به شيءٌ من الأمراض سببًا لحدوث ذلك، يعني مخالطة الصحيح للمريض سببٌ معلومٌ ظاهرٌ، بل لا يمكن إنكاره البتة، لأنه من الأسباب التي يترتب عليها انتقال المرض من المريض إلى الصحي، فالسبب قائمٌ، لكن لا يعتمد على السبب، ولا يعتقد أن السبب بذاته مؤثر كما هو الشأن في قاعدة الأسباب، وإنما هو سببٌ صحيحٌ معلومٌ ظاهرٌ بينٌ، ولا يمكن إنكاره، ودَلَّ عليه الواقع والطب كذلك حينئذٍ نقول: هو سببٌ صحيح. لكن لا يؤثر بنفسه، وإنما المؤثر حقيقةً هو الباري جل وعلا، وهذا هو الفرق بين اعتقاد الجاهلية وما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - من النفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت