فهرس الكتاب

الصفحة 1155 من 2014

ومنها: ما قُدِّمَ لخالد بن الوليد من السُّمّ قال: بسم الله وشربه. وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد المجذومٍ فأكل معه. هذا لا يصح. وكذلك ابن عمر .. إلى آخره. المراد هنا كقاعدة، أما الأمثلة قد يكون فيها شيءٌ من النظر، لكن القاعدة أنه إذا قَوِيَ اليقين والتوكل حينئذٍ لا بأس بالمخالطة. ( «لا عدوى» ) .

قال: ( «ولا طيرة» ) طيرة اسم مصدر تطير، والمصنف قال: (باب ما جاء في التطير) جاء بالمصدر، والحديث جاء باسم المصدر. قال ابن القيم: ( «ولا طيرة» ) هذا يحتمل أن يكون نفيًا أو يكون نهيًا. ( «ولا طيرة» ) يحتمل أن لا ناهية أو أنها نافيةٌ، لو كان فعلًا لبرز، أليس كذلك؟ مع الفعل المضارع لا يحتمل لماذا؟ لأنها لو كانت ناهيةً لجزمت، ولو كانت نافيةً لرُفِعَ الفعل بعدها، ولا نقول: رَفَعَتْ. نقول: رُفِع الفعل بعدها. وإذا كانت جازمةً جزمت، أليس كذلك؟ لو كانت ناهيةً جزمت الفعل المضارع لأنه يلزم بأنه يُجزم بها {لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} [لقمان: 13] . هذه ناهية. هنا ( «طيرة» ) هذا اسمٌ فجاءت (لا) معها.

قال هنا: هذا يحتمل أن يكون نفيًا أو يكون نهيًا. أي لا تَطَيَّرُوا. ولكن قوله في الحديث: ( «لا عدوى» ) ، ( «ولا صفر» ) ، ( «ولا هامة» ) يدل على أن المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي، دائمًا نقول: القاعدة أن النفي أبلغ من النهي، لأن النفي يدل على عدم الوجود من أصله، والنهي يدل على لا تفعل، ولا شك على أن عدم وجود الشيء من أصله أبلغ في الْكَفِّ، والنفي في هذا أبلغ من النهي لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه.

وفي (( صحيح مسلم ) )عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال ... لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: ومنا أناسٌ يتطيرون فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيءٌ يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم» ، «ذلك شيءٌ يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم» . فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطيّر به كما مر معنا في الآيتين السابقتين، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يُطيره ويَصُدّه لا ما رآه وسمعه، لأنه ليس بسببٍ تعلق به الأثر. فأوضح - صلى الله عليه وسلم - لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامةً ولا فيها دلالةً ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى الذي أرسل به رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السموات والأرض، وعَمَرَ الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد فقطع - صلى الله عليه وسلم - عُلَقَ الشرك من قلوبهم لئلا يبقى فيها عُلْقَةٌ منها، ولا يتلبس بعملٍ من أعمال أهل النار البتة، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين وتوكل على الله قطع هاجس الطِّيرة من قبل استقرارها، من قبل أن تستقر، وبادر خواطرها من قبل استمكانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت