فهرس الكتاب

الصفحة 1160 من 2014

وفي (( التيسير ) )قلت: ولهذا يُشرع لمن استفاد زوجةً أو أمةً أو دابة أن يسأل الله من خيرها وخير ما جبلت له، هذا يؤكد المعنى الذي ذكره رحمه الله تعالى، أنها قد تكون هي بذاتها مباركة أو هي بذاتها شرٌّ وفسادٍ، ويستعيذ من شرها ومن شر ما جُبِلَت عليه. وكذلك ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك لحديث: «إذا أفاد أحدكم المرأة أو الجارية أو الدابة أو الغلام فليقل: أسألك من خيرها وخير ما جُبِلَتْ عليه، وأعوذ بك من شَرِّها وشَرّ ما جُبِلَتْ عليه» . رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي وهو حديثٌ صحيح.

قال في (( التيسير ) ): ولكن يبقى على هذا أن يقال: هذا جارٍ في كل مشئومٍ. كل عين يمكن أن يقال بأنها على قسمين خلقت خيرًا وخلقت شرًّا، لِمَ خَصّ هذه الثلاث النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ محل سؤالٍ لكن يبقى على هذا أن يقال: هذا جارٍ في كل مشئومٍ فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟

وجوابه: أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخُصَّت بالذكر لذلك. يعني ليس الحكم هنا تقسيم العين خير وشر خاص بهذه الثلاثة؟ لا، بل كل عين، لكن أكثر ما يقع التطير في هذه المسائل الثلاث، وما قيل هناك في هذا الجواب حديث: «الشؤم في ثلاثٍ» كذلك يقال فيما رواه مالكٌ: عن يحيى بن سعيدٍ قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله: دارٌ سكناها والعدد كثير والمال وافرٌ، فقل العدد وذهب المال. هذا فيه ماذا؟ فيه تطير، دارٌ سكناها يعني لاحظ ماذا؟ أنه لَمَّا سكن الدار كان العدد كثير والمال وافر، بعد سكناها قل العدد من الأولاد يعني مات بعضهم أو كذا والمال قل.

إذًا ما السبب؟

الدار هي نفسها.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «دعوها ذميمةً» . يعني انتقلوا إلى غيرها. «دعوها ذميمةً» ورواه أبو داود عن أنسٍ بنحوه. صح الحديث أو لا؟ لأن فيه مطعن.

والجواب عنه نقول: فإن هذا ليس من الطيرة الْمَنْهِي عنها، بل أمرهم بالانتقال لأنهم استثقلوها واستوحشوا منها، لِمَا لحقهم فيها ليتعجلوا الراحة مما داخلهم من الجزع، لَمَّا نسبوا هذه الأمور إلى ماذا؟ إلى الدار، وعلمنا أن الدار قد تكون على نوعين، إذًا أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالانتقال عنها من أجل ماذا؟

من أجل طلب الراحة؛ لأن الله قد جعل في غرائز الناس استثقال ما نالهم الشر فيه وهو كذلك، وإن كان لا سبب له في ذلك، وحُبّ من جَرَى على يديه الخير لهم وإن لم يُرِدْهُم به، ولأن مُقَامَهُم فيها قد يُقودهم إلى الطيرة فيوقعهم ذلك في الشرك، والشر الذي يلحق المتطير بسبب طيرته، وهذا بمنزلةٍ الخارج من بلد الطاعون غيرِ فارٍّ منه.

يعني نجيب عن هذا الحديث «دعوها ذميمةً» إن صح أنه من أحد القسمين اللَذَيْنِ ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى. فحينئذٍ فيه تعجيلٌ لراحتهم من أجل الجزع، لأنهم اعتقدوا فيها الشؤم. وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بذاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت