وضَعَّف هذا القول لأن الحديث في سياق التَّطَيُّر وليس في سياق التَّغْيِير، ثم قال: والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشئومًا، أي لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يُقَدَّرُ فيه الخير ويُقَدَّرُ فيه الشر، تتشائم لماذا؟ صَفَر كغيره كمحرم وشوال .. إلى آخره، حينئذٍ نسبة الشر إليه نقول: هذا ليس بصحيح، هذا اعتقادٌ فاسد، وهذا من التطير بالأيام، فهو زمنٌ من الأزمان كغيره يُقَدَّرُ فيه الخير ويُقَدَّرُ فيه الشر.
ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة وهي ( «لا عدوى، ولا طِيَرَةَ، ولا هامَة، ولا صفَر» ) ، هل هو نفي لوجودها غير موجودة، أو أنها نفي لتأثيرها؟
قلنا: الثاني في الجميع في الأربعة، ولذلك قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة ليس نفيًا للوجود، لأنها موجودة واقعة لا يمكن إنكارها، ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله عز وجل، فما كان منها سببًا معلومًا فهو سببٌ صحيح، كمثلًا شهر صفَر موجود ونقر به وهو سببٌ معلوم يُقَدَّرُ فيه الخير والشر، يعني إذا تشائم به وجعله مصدرًا للشرّ نقول: هذا تشاؤم منك، والسبب كما هو لأنه زمن من الأزمان وهو كذلك، وكذلك العدوى فهي ثابتة وما كان منها سببًا موهومًا فهو سببٌ باطل، كما لو أعتقد أن الهامة ماذا؟ ليست بالطير البومة، البومة موجودة لو أعتقد أنها مما انقلب من عظام الميت هذا موهوم، ما الذي أعلمكم بذلك؟ أو أن روح الميت انقلبت يحتاج إلى ماذا؟ إلى نص هذا سببٌ موهومٌ.
قال: وما كان منها سببًا موهومًا فهو سببٌ باطل، ويكون نفيه لتأثيره بنفسه إن كان صحيحًا ولكونه سببًا إن كان باطلًا، ثم قال: فالعدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يُورد ممرضٌ على مصح» . دل على أنه موجودة واقعة، أي لا يُورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة لئلا تنتقل العدوى، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» . فالأمر بالفرار من المجذوم لكيلا تقع العدوى منه إليه، وفيه إثبات لتأثير العدوى، لكن تأثيرها ليس أمرًا حتميًّا بحيث تكون علة فاعِلَة، وَأَمْرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفرار وأن لا يورد ممرضٌ على مصحٍ من باب تجنب الأسباب لا من باب تأثير الأسباب بنفسها كما مر معنا، فالأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن ينبغي لنا أن نتجنب الأسباب التي تكون سببًا للبلاء لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقر ة: 195] . ولا يمكن أن يقال إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينكر تأثير العدوى، لأن هذا أمرٌ يُبطله الواقع والأحاديث الأخرى.
وقوله: ( «لا صفَر» ) . فيه ثلاثة أقوال مَرَّت والراجح منها، والأزمنة لا دخل لها في التأثير وفي تقدير الله تعالى فصفر كغيره من الأزمنة يُقَدَّرُ فيه الخير والشر، وهذه الأربعة التي نفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُبين وجوب التوكل على الله تعالى وصدق العزيمة ولا يضعف المسلم أمام هذه الأشياء، لأن الإنسان لا يخلو من حالين - كما مر معنا: