قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: وكان يحب الفأل ويكره الطيرة - يكره يعني الكراهة الشرعية بمعنى التحريم - والفرق بينهما أن الفأل الحسن لا يُخِلُّ بعقيدة الإنسان، لأن الطيرة شركٌ، أليس كذلك؟ قد تكون أكبر وقد تكون أصغر، والفأل ليس من ذلك ليس من الطيرة إذًا ليس بشرك، إذًا الفأل لا يُخل بعقيدة، والطيرة تُخل بالعقيدة، لأن كل ما ترتب عليه أنه نوع من الشرك بقطع النظر عن نوعه أكبر أو أصغر لا شك أنه يُخل بالعقيدة، ومر معنا أن الطيرة تخل بـ المنافية لأصل التوحيد أو لكماله الواجب، قد تكون أكبر وقد تكون أصغر، والفرق بينهما أن الفأل الحسن لا يُخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة. فيه ماذا؟ من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة، أما أنه يوجب ردًّا أو إقدامًا فلا، لو كان كذلك لصار نوعًا من الطيرة.
إذًا أمره نفسي فحسب، الفأل كلمة طيبة إذا سمعها تفاءل بها من حيث القلب، وأما من حيث الإقدام والكفّ لا، نقول: هذا لا يَعتمد عليها البتة.
قال رحمه الله: وصفة ذلك أن يعزم العبد على سفرٍ أو زواجٍ أو عقدٍ من العقود أو على حالةٍ من الأحوال المهمة، ثُمَّ يرى في تلك الحال ما يسره أو يسمع كلامًا يسره مثل يا راشد أو سالم أو غانم فيتفاءل ويزداد طمعه في تيسير ذلك الأمر الذي عزم عليه، هو عازمٌ عليه وسمع كلامًا حسنًا فازداد تعلق بربه جل وعلا فهذا كله خيرٌ، وأثاره خيرٌ، وليس فيه من المحاذير شيء، لأنه لم يوجب إقدامًا ولا كفًّا.
(قالوا: وما الفأل؟) يعني سأل الصحابة، لَمَّا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ( «ويعجبني الفأل» . قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة» ) بَيَّن لهم - صلى الله عليه وسلم - أن الفأل يعجبه فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها، لأن الطيرةٌ شركٌ أليس كذلك؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يكره الطيرة. وقال: ( «ويعجبني الفأل» ) . إذًا الفأل ليس من الطيرة. فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيءٌ من الشرك، ونقطع بذلك، لأنه ما أعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معصومٌ من الشرك الأكبر والأصغر بالإجماع، ما أعجبه شيءٌ إلا وهو خالٍ عن الشرك بحذافيره، ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيءٌ من ذلك، بل ذلك إبانةٌ عن مقتضى الطبيعة وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبره أنه حُبِّبَ إليه من الدنيا النساء والطيب، وكان يحب الحلوى والعسل، ويحب حسن الصوت للقرآن والأذان، ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمالٍ وخيرٍ، وما يُفضي إليهما، والله سبحانه وتعالى قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر، ونحو ذلك. فإذا قرعت هذه الأسماء الأَسماع استبشرت بها النفس.