فهرس الكتاب

الصفحة 1170 من 2014

إذًا هذا أمرٌ غُرِزَ في الإنسان كما أنه يحب الطيبات بالفطرة، ويكره الخبائث بالفطرة، كذلك حب الفأل والاستماع إلى الصوت الحسن ونحو ذلك كله بالفطرة، فإذا قرعت هذه الأسماء الأَسماع استبشرت بها النفس، كما أنه يستبشر بالصوت الحسن، وانشرح لها الصدر، وقَوِيَ بها القلب، وإذا سمعت أضَّادَهَا أوجب لها ضِدَّ هذه الحال فأَحْزَنَهَا ذلك، وأَثَارَ لَهَا خوفًا وطيرةً وانكماشًا وانقباضًا عما قصدت له وعزمت عليه، فأورث لها ضررًا في الدنيا ونقصًا في الإيمان ومفارقة الشرك.

يعني مراد ابن القيم رحمه الله تعالى أن الفأل إنما هو من الطبائع التي جُبِلَ عليها الناس. كما أن الإنسان يحب الحلوى والعسل والنساء والطيب كذلك يحب الكلمة الطيبة، فكما أنه ينشرح بما أو يتلذذ بما يأكل من الطيبات، كذلك يتلذذ وينشرح صدره بسماع الأسماء التي تحمل معانٍ حسنة. إذًا هذا من الغرائز وذاك منه كذلك.

والحاصل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء ظنٍ بالله تعالى بغير سببٍ محقق، والتفاؤل حسن ظنٍ بربه جل وعلا، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال وفي كل وقتٍ.

وقوله: ( «الكلمة الطيبة» ) . إنما أراد به مثالًا، لأن الفأل كما أن الطيرة هي التشاؤم بكل مرئيٍ أو مسموعٍ - على ما اشتهر - وزدنا معلومٍ، كذلك الفأل يكون بمسموعٍ وبمرئيٍ، يَرى فعل ما حينئذٍ يتفاؤل، يسمع قولًا ما حينئذٍ يتفاءل، فإذا كان كذلك فقوله - صلى الله عليه وسلم: ( «الكلمة الطيبة» ) . أراد به مثالًا لا الحصر في ذلك، وهذا واضحٌ بين.

مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه بيان أن الفأل ليس من الطيرة المنهي عنها وهو واضح.

ويستفاد من الحديث:

-تفسير الفأل بأنه الكلمة الطيبة.

ثانيًا: مشروعية حسن الظن بالله، والنهي عن سوء الظن بالله.

والفرق بين الفأل والطيرة:

أولًا: الفأل يكون فيما يسُرّ.

ثانيًا: الفأل فيه حُسن ظنٍّ بالله، وكما قلنا العبد مأمورٌ أن يُحسن الظن بالله.

وثالثًا: الطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، الطيرة تكون فيما يسوء.

رابعًا: الطيرة فيها سوء ظن بالله، متقابلان، الفأل حسن ظنٍّ بالله تعالى، والطيرة سوء ظنٍّ بالله تعالى، إذًا هما متقابلان، والعبد منهيٌّ عن سوء الظن بالله تعالى، ويجامع الفأل الطيرة يعني يجتمعان إن أوجب مُضِيًّا أو ردًّا، يعني ثَمَّ فروق بينهما كما ذكرنا، هذا أهمها هذا من باب حسن الظن وهذا من باب سوء الظن، هل يجتمعان؟

نقول: نعم يجتمعان.

متى؟

إن أوجب الفأل ردًّا أو مضيًّا، حينئذٍ صار طيرةً.

إذًا يُجامع الفأل الطيرة إن أوجب مضيًّا أو ردًّا، والفأل لا يُعتمد عليه ولو كان سببًا لا يُعتمد عليه البتة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولأبي داود بسندٍ صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكِرَت الطيرة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت