( «أحسنها الفأل، ولا ترد» ) هي ( «ولا ترد مسلمًا» ) أي لا ترد المسلم عن شيء قصده لإيمانه أنه لا نافع ولا ضار إلا الله عز وجل، يعني لإيمانه الكامل بأنه لا نفع إلا من جهة الباري جل وعلا، ولا دفع لضُرٍّ إلا من جهة الباري جل وعلا، إذًا لا يتعلق بها، لا ترد المسلم، المسلم قلبه معلَّقٌ من حيث جلب النفع ودفع الضُّرّ بربه جل وعلا، إذًا لا يتعلق بهذه المخلوقات البتة، وإنما تَرُدّ مَنْ؟ لا ترد مسلمًا مُسلمًا مفعول به عُلِّقَ عليه الحكم لا تَرُدّ وهو وصف، لا ترد مسلمًا لماذا؟ لإسلامه، إذًا العلة مأخوذة من ماذا؟ من كون الحكم عُلِّقَ على مشتقٍ، حينئذٍ له مفهوم أو لا؟ له مفهوم، إذًا تُرُدّ مَنْ؟ تَرُدّ المشرك، فمن رَدّته فهو مشركٌ على التفصيل قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، وإنما ترد المشرك الذي يعتقدها.
قال الطيبي: تعريض بأن الكافر بخلافه، فمن ردته الطيرة عن حاجته ليس بمسلم. هذا ظاهر النص من جهة المفهوم، والمفهوم تثبت به الأحكام الشرعية كما تثبت بالمنطوق، لا فرق بينهما من حيث الحكم الشرعي، يعني الحكم الشرعي يستند إلى أدلةٍ، وهذه الأدلة تختلف، منها ما هو منطوق، ومنها ما هو مفهوم، حينئذٍ نقول: لا ترد مسلمًا عَلَّق الحكم هنا وهو نفي الرد على وصف، وجُعل علةً، يعني لا ترد مسلمًا لإسلامه، حينئذٍ له مفهوم بلسان العرب، ما هو هذا المفهوم؟ إنما ترد المشرك، لأن نقيض المسلم المشرك، نقيضان إسلام وشرك، كفر وإيمان، متقابلان إذا قام هذا انتفى الثاني.
قوله: ( «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل» ) . يعني بلسانه، ومر معنا القول إذا أُطلق المراد به النطق باللسان لئلا ينصرف إلى ماذا؟ إلى المعنى النفسي، فالمراد به القول باللسان هذا الأصل، ( «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل» ) بلسانه هذا توجيه ودواء لأنه إذا رأى ما يكره فحينئذٍ قد ترد على قلبه الطيرة، أليس كذلك؟ يتوارد عليه فحينئذٍ إذا رأى ما يكره فيحتمل أنه قد يتشاءم، ويبتعد عما يريد ولا يقدم عليه، ودواء ذلك هذا الدعاء الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: ( «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت» ) . لكن يبقى البحث في ولم أجد أحدًا بحثه، ( «فليقل» ) هل هو للوجوب أو لا؟ ظاهره على القاعدة السابقة أنه للوجوب، أيضًا من حيث المعنى أن الطيرة شركٌ ودفعها حينئذٍ يكون بماذا؟ إذا كان بسببٍ معلوم من جهة الشرع يكون واجبًا لأن دفع الشرك واجب، فإذا طرأ على القلب ما يمكن أن يكون طيرةً فحينئذٍ نقول: التخلص منه واجب، هل التخلص هنا جاء من جهة الشرع يعني ببيانه أو أحال فيه على مكلَّف؟ تقول: بَيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن ثَمَّ دعاءً يستمسك به فيقوله، فظاهره والله أعلم أن قوله: ( «فليقل» ) . هذا للوجوب من جهتين:
أولًا: أنه صيغة أمر، والأصل فيها أنها تقتضي الوجوب.
ثانيًا: يُدفع به الشرك، لأن الطيرة شرك، وكل ما يدفع بها [الوسائل لها أحكام المقاصد] ، فكل ما يدفع به الشرك فهو واجبٌ.
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب تركه جميع من درى