فهرس الكتاب

الصفحة 1174 من 2014

( «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت» ) ، أي لا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات، إنما الذي يأتي بالحسنات بالنعم الله عز وجل، والذي يدفع السيئات وهي المصائب الله عز وجل، وأما الطيرة فلا أثر لها لأنها مخلوق، وإنما يكون من جهة الخالق جل وعلا، أي لا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات، بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات، والحسنات هنا النعم، والسيئات

المصائب كقوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78] ... إلى قوله: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] . وهذا دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة وتصريح بأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضُرًّا، ويعد من اعتقدها سفيهًا مشركًا.

وفيه تحقيق التوكل على الله، لا يأتي بالحسنات أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت، وهذا هو التحقيق بالتوكل، حينئذٍ توكل على الله اعتماد القلب عليه، في ماذا؟ في جلب النفع ودفع الضُّرّ، فإذا كان كذلك ففيه تحقيق التوكل على الله تعالى، ونفي تعليق القلب بغير الله في جلب نفعٍ أو دفع ضرٍّ وهذا هو التوحيد.

وقوله: ( «لا يأتي بالحسنات إلا أنت» ) . لا يأتي إلا أنت، أَنت لا يأتي بالحسنات إلا أنت هذا استثناء مفرق، وأنت هذا فاعل، إذًا أنت تأتي بالحسنات، وإذا جاء الإتيان مقيدًا حينئذٍ لا يُصرف للإتيان الذي هو صفة الباري جل وعلا، أليس كذلك؟ الإتيان في النصوص قد يأتي مطلقًا {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ} [البقرة: 210] حينئذٍ نقول: هذا إتيان مطلق، يعني لم يقيد بشيء، حينئذٍ يكون صفةً للباري جل وعلا، وأما إذا جاء مقيدًا، {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا} [الأنعام: 43] {بَأْسُنَا} مضاف إلى الباري جل وعلا، الذي جاء هو البأس، وهنا قال: ( «لا يأتي بالحسنات إلا أنت» ) . فالذي يأتي ماذا؟ الحسنات، هذا الأصل لأنه جاء مقيدًا، وصف للإتيان، حينئذٍ إذا جاء الإتيان مقيدًا لا يكون صفةً للباري جل وعلا وإنما يكون فعلًا، يكون يعني خلقًا له جل وعلا، ( «لا يأتي بالحسنات إلا أنت» ) أي لا يُقَدِّرُهَا ولا يخلقها ولا يوجدها للعبد إلا الله وحده لا شريك له، وهذا الإتيان بالحسنات بالنعم إذا كان لا يأتي بالحسنات التي هي النعم إلا الله عز وجل معناه تنتظر تقف أو أنه تأتي بالأسباب؟ يعني كون النعم من عند الباري جل وعلا هو خالقها هو مقدرها هو جالبها، هل ينافي ذلك الأخذ بالأسباب؟

الجواب: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت