إذًا ( «لا يأتي بالحسنات إلا أنت» ) هذا لا ينافي أن تكون الحسنات بأسبابٍ، وأنك مأمور بتحصيل هذه الأسباب، لأن خالق هذه الأسباب هو الله عز وجل، والحسنات مسببٌ، وخالق السبب والمسبب واحد، أليس كذلك؟ خالق المسبب هو خالق السبب وهو واحد، قال هنا: لأن خالق هذه الأسباب هو الله، وخالق السبب خالق للمسبب فالموجد حقيقةً هو الله تعالى. ولذلك قال: ( «لا يأتي بالحسنات إلا أنت» ) . فلا يظن الظان بأنه ليس ثَمَّ سببٌ، وإنما ينتظر الحسنات نقول: لا، إنما أنت مأمور بأخذ الأسباب، وخالق السبب هو خالق المسبب، وكذلك القول في قوله: ... ( «ولا يدفع السيئات إلا أنت» ) . فلا ينافي أن يكون دفعها بماذا؟ بأسباب، والأسباب مخلوقة لله عز وجل وما يترتب عليها من حسنات أو سيئات كذلك مخلوقٍ لله عز وجل.
قوله: ( «ولا حول ولا قوة إلا بك» ) . استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، ( «ولا حول ولا قوة إلا بك» ) فيها خمسة أحوال من حيث الأعراب - شرحناها في الألفية - استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي تكون سببًا للوقوع أو لوقوع المكروه عقوبةً لفعالها، استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، لأن التوكل علم وعمل يجتمع فيه الأمران، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي تكون سببًا لوقوع المكروه عقوبةً لفاعلها، قلنا فيما مضى ماذا؟ أن الذي يتعلق بها قد يحصل له المكروه لأنه توجه إليها فعقوبةٌ له حينئذٍ نقول: يقع فيها معاملةً له بنقيض قصده، يعني أراد سفرًا فتيسار رجع خاف من شيء ما يقع فيه لو رجع يأتيه الموت ولو كان على فراشه، ويأتيه البلاء ولو كان على فراشه. إذًا لو مضى الموت الموْت لا تذهب إليه أنت هو الذي يأتيك، فلا تخف تركب طائرة، وتركب قطارًا من أجل الموت، أليس كذلك، لأن الموت ما هو الذي تذهب إليه هو الذي يأتيك، إذًا يأتيك في الطائرة ويأتيك على الفراش فلا يخاف الإنسان.
إذًا وعدم الالتفات إلى الطيرة التي تكون سببًا لوقوع المكروه عقوبةً لفاعها معاملة له بنقيض قصده، وذلك إنما يَصْدُرُ من تحقيق التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات، بل الباب كله مقرون بالتوكل، من حقق التوكل وعرف منزلة التوكل على الله تعالى كفاه هذا الجانب، وإنما يُؤتى الإنسان من ضعف التوكل عنده.