وقوله: ( «الطيرة شرك» ) ما قال: الشرك، أليس كذلك؟ لأنها نوعٌ من الشرك وليست كل الشرك، فحينئذٍ ( «الطيرة شرك» ) نَكَّرَ الخبر هنا ليدل على ماذا؟ على أن المحكوم عليه نوعٌ من أنواع الخبر وليس محصورًا فيه، لو قال: الطيرة الشرك. حينئذٍ عرف صار حصرًا، ( «الطيرة شرك» ) أي نوعٌ من أنواع الشرك، وهل المراد بالشرك هنا جاء نص قلنا: ما جاء في التطير في الباب هنا، يعني من الوعيد والنهي والزجر وأنه شركٌ.
جاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا: ( «الطيرة شرك» ) فهل المراد بالشرك هنا الأكبر أو الأصغر؟
جوابه على حسب اعتقاد المتطير لكن الجنس أو الفعل محتملٌ، الجنس هنا جنس التطير محتملٌ لأن يقع شركًا أكبر أو أصغر، حينئذٍ إذا قبل الوصفين حينئذٍ نقول: بحسب اعتقاد الْمُتَطَيِّر في الْمُتَطَيَّر به نحكم عليه بأنه شركٌ أكبر أو أصغر، فإن اعتقد المتطير أن المتطير به فاعلٌ بنفسه يعني هو الذي يجلب النفع أو يدفع الضر بذاته حينئذٍ نسب الفعل الذي هو الخلق والإيجاد إلى هذا المخلوق فيكون شركًا أكبر، شركًا في الربوبية، فإن اعتقد أن الْمُتَطَيَّر به فاعلٌ بنفسه دون الله تعالى فهو مشركٌ شركًا أكبر لأنه جعل لله شريكًا في الخلق والإيجاد.
وكذلك - الصورة الثانية - لو اعتمد عليه اعتمادًا كليًّا، ولذلك مرّ معنا أنه قطع التوكل على الله، وكل من قطع التوكل على الله فقد توكل على غيره حينئذٍ يكون شركًا أكبر لأن التوكل شرطٌ في صحة الإيمان {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] . إن لم تكونوا مؤمنين توكلوا على غيره، وهنا قد توكل على غيره ابتداءً وانتهاءً، حينئذٍ يكون شركًا أكبر، هذه صورةٌ ثانية في كون الْمُتَطَيَّر به يكون شركًا.
وكذلك لو اعتمد عليه اعتمادًا كليًّا فهو شركٌ أكبر لأن التوكل قد انتفى، وانتفاؤه انتفاءٌ للإيمان. وإذا انتفى الإيمان ثبت الكفر.
وإن اعتقد أن المتطير به لا ينفع ولا يضر بذاته، وإنما اعتمد عليه اعتماده على السبب الذي لم يجعله الله تعالى سببًا فهو شركٌ أصغر، وهذا يُضعف التوكل حينئذٍ من هذا الأمر الذي فيه شيءٌ من التقرير صورتان للشرك الأكبر وصورةٌ للشرك الأصغر.
قال بعضهم: وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التّطير يجلب لهم نفعًا أو يدفعُ عنهم ضّرًّا إذا عملوا بموجبه فكأنهم أشركوهم مع الله تعالى، بل أشركوه مع الله تعالى، وهذه الصورة كذلك صورةٌ في أو صورةٌ من صور الشرك الأكبر في هذا الباب.