هذا محال هذا باطل، فإن كان القائل بكراهتها أراد ذلك فلا ريب في بطلانه.
قوله: ( «وما منا» ) . قال أبو القاسم الأصبهاني، والمنذري: في الحديث إضمار. يعني حذف، تقدير والتقدير ( «وما منا إلا» ) وقد وقع في قلبه شيءٌ من ذلك، قال هنا ماذا؟ ( «الطيرة شرك، الطيرة شرك» ) هذا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى هنا انتهى. قال ابن مسعودٍ ( «وما منا إلا» ) يعني ( «وما منا» ) أحدٌ إلا وقد وقع في قلبه شيءٌ من ذلك ( «ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل» ) في الحديث إضمار والتقدير ( «وما منا» ) إلا وقد وقع في قلبه شيءٌ من ذلك.
وحاصله ( «وما منا» ) أحدٌ هذا المستثنى منه المحذوف ( «وما منا» ) أحدٌ إلا ويعتريه ويخطر له ويقع في قلبه من الطيرة شيءٌ، فحذف ذلك اعتمادًا على فهم السامع، فحذف المستثنى لما يتضمنه من الحالة المكروهة، وهذا نوعٌ من أدب الكلام، حذف المستثنى يعني ما بعد ( «إلا» ) ، ( «وما منا إلا» ) ، ( «إلا» ) ماذا؟ إلا وقد يقع في قلبه شيءٌ من ذلك، إلا ويتطير. إذًا حذف المستثنى، وإذا كان كذلك فيكون من باب الأدب في الكلام.
وقوله: ( «وما منا» ) ، ( «منا» ) جار ومجرور خبرٌ لمبتدأ محذوف، إما أن يقدر قبل إلا، إن قُدِّرَ ما بعد إلا بفعل ( «وما منا» ) أحدٌ ( «إلا» ) تطير، ( «وما منا» ) أحدٌ ( «إلا» ) تطير، أو بعد إلا ( «وما منا إلا» ) متطيرٌ، يعني فلا يَسلم أحدٌ من التطير. إذًا قوله: ( «وما منا إلا» ) حذف المستثنى اعتمادًا على فهم السامع، لأنه مما يكره فالأولى حذفه، تقديره ( «وما منا إلا» ) ويقع في قلبه شيءٌ من الطيرة. ( «وما منا» ) أحدٌ ( «إلا» ) وقد تطير، ( «ولكن الله يذهبه بالتوكل» ) يعني لكن لَمَّا توكلنا على الله وآمنا به واتبعنا ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتقدنا صدقه أذهب الله ذلك عنّا وأقر قلوبنا على السنة واتباع الحق، يعني أذهبه الله تعالى عنا بالتوكل عليه. ( «إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» ) والتوكل في لغة العرب التفويض، يقال: وَكَّلْتُ أمري إلى فلانٍ أي فوضته. وأما في الشرع فهو: صدق اعتماد القلب على الله في جلب ما ينفع ودفع ما يضر مع الثقة به سبحانه وفعل الأسباب الصحيحة.
إذًا لا بد هو معنًى مركب صدق اعتماد القلب على الله، إذًا هو عملٌ قلبي، علمٌ وعمل، عمل قلبي، اعتماد القلب على الله في جلب ما ينفع ودفع ما يضر، مع الثقة به سبحانه، وفعل الأسباب الصحيحة، يعني التي جعلها الله تعالى أسبابًا، لا يبتكر أسبابًا من عنده، فلا يكفي صدق الاعتماد فقط بل لا بد من الثقة به لقوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] .
والتوكل شرطٌ لحصول الإيمان قال تعالى: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: التوكل أصلٌ لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام، وإن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس.