وفيه الاعتراف بان الطير خلقٌ مُسخرٌ مملوكٌ لله ( «لا طير إلا طيرك» ) إن جعلنا الطير المراد به ماذا؟ خصوص الطير، الطائر الحي الكائن الحي هذا ( «لا طير إلا طيرك» ) ففيه اعتراف بأن الطير خلقٌ مسخر مملوكٌ لله، لا يأتي بخير ولا يدفع شرًّا، لأنه مخلوق، والذي يأتي بالخير ويدفع الشر هو الله عز وجل، وأنه لا خير في الدنيا والآخرة إلا خير الله، فكل خير فيهما فهو من الله تعالى تفضلًا على عباده وإحسانًا إليهم. ( «ولا إله غيرك» ) أي لا معبود بحقٍ سواك، لا نافية للجنس (لا إله) وإله فِعَال بمعنى مفعول وهو المعبود المطاع محبةً وتعظيمًا وإجلالًا، ( «غيرك» ) ( «لا إله غيرك» ) ، كذلك ( «غيرك» ) فيها معنى الاستثناء، ولذلك تُعَدّ من أدوات الاستثناء عند النحاة، وعند الأصوليين كذلك، وفيها أن الإلهية كلها لله ليس فيها لأحدٍ من الملائكة الأنبياء عليهم السلام شركةٌ فضلًا عن أن يُشْرِكَ فيها ما يراه ويسمعه مما يتشاءم به، ويحتمل أن قوله: ( «لا طير إلا طيرك» ) المراد به ما يتشاءم به الإنسان، يعني يحتمل أن قوله: ( «لا طير» ) المراد به الطائر، ويحتمل ماذا؟ أن المراد به المعنى العام الخاص الشرعي ( «لا طير إلا طيرك» ) يعني لا يتشاءم الإنسان من شيءٍ إلا وأنت الذي أحدثته، أليس كذلك؟ {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ} [الأعراف: 131] . يعني من جهة الباري جل وعلا لأنه من قبيل الحكم الكوني وهو كذلك، فكل ما يَحدث للعبد من التشاؤم والحوادث المكروهة فإنه من الله تعالى كما أن الخير من الله تعالى، كما قال سبحانه: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ} ولكن الشّرّ في المفعول لا في فعل الله - كما هو معلوم - «والشر ليس إليك» . ففعله تعالى كله خير، إما لذاته، وإما لِمَا يترتب عليه من المصالح التي تجعله خيرًا. إذًا الخير كله من عند الله تعالى، والشَّرّ الله تعالى خالقه ولا شك لكنه لا يكون فعله شرًّا، وإنما يكون فعله خير، وإنما ينسب الشر إلى المفعول لا إلى الفعل، وإذا كان كذلك فما الحكمة منه؟ نقول: لِمَا يترتب عليه من المصالح، فعاد خلقه جل وعلا كله إلى الخير، إما ابتداءً وإما انتهاءً، فيكون قوله: ( «لا طير إلا طيرك» ) مقابلًا لقوله: ( «لا خير إلا خيرك» ) . فإذا قال ذلك الدعاء وأعرض عما وقع في قلبه ولم يلتفت إليه كَفَّرَ الله عنه ما وقع في قلبه ابتداءً لزواله من قلبه بهذا الدعاء المتضمن من الاعتماد على الله وحده والإعراض عما سواه.
ففيه أن الطيرة لا تضر من كرهها - هذا واضح - لا تضر من كرهها ( «وما منا إلا» ) ويقع في قلبه شيءٌ من ذلك، لكن لا يستجيب إليه، لا يستجيب، هل تضره هل يأثم؟ الجواب: لا، وإنما تضر من التفت إليها.