فهرس الكتاب

الصفحة 1198 من 2014

قال هنا: أما علم النجوم الذي يُدْرَكُ من طريق المشاهدة - ليس بشيء معنوي أو اعتباري - والخبر الذي يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نُهِيَ عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصًا فالشمس بعد صاعدةً نحو وسط السماء. يعني من الأفق الشرقي كما قال، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطةٌ من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علمٌ يصح دَرْكُهُ بالمشاهدة، يعني مما يُدْرَكُ بالمشاهدة بالبصر، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دَبَّرُوها يعني تَطَوَّرُوا فيها بما اتخذوا له من الآلات التي يَسْتَغْنِي الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته، وأما ما يُسْتَدَلُّ به من النجوم على جهة القبلة فإنها كواكب رَصَدَهَا أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نَشُكُّ في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل ماذا؟ مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة، يعني رَأَوْا النجم بحضرة الكعبة، ثم ذهبوا إلى العراق مثلًا فقالوا: نحن كنا جهة الكعبة، والنجم كان في جهة اليمين، ونحن الآن على جهة اليسار فيستدلون بالنجم على جهة القبلة، إذًا هل بينهما علاقة؟ لا، ليس بينهما علاقة. هذا الذي يعنيه هنا الخطابي رحمه الله تعالى، مثل أن يشاهدها أو يشاهدوها بحضرة الكعبة ويشاهدوها على حال الغيبة عنها - في أيّ مكان كان - فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة ليس بينهما شيء آخر، وإدراكنا ذلك نحن المتأخرين بقبولنا خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متَّهَمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم.

إذًا هذا كلام الخطابي يدل على ماذا؟ على أن علم التَّسْيِير لا علاقة له بعلم التأثير، والذي دلت النصوص وما نقل عن السلف بمنعه هو علم التأثير، فإذا لم يكن منه حينئذٍ كان الأصل فيه الإباحة، لأن الأصل في العلم هو الإباحة.

وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل منازل القمر، لأنه لا محظور فيه، وعن إبراهيم كذلك أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. كذلك رواه ابن المنذر.

قال ابن رجب: والمأذون في تعلمه علم التَّسْيِير لا علم التأثير، فإنه باطل محرمٌ قليله وكثيره، وأما علم التَّسْيِير فيُتَعَلَّمُ منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق فهذا جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لشُغْلِه عن ما هو أهم منه. حينئذٍ نقول: الأصل فيه الإباحة، وأما هل يجب أو لا يجب؟ هذه مر معنا بحثه في (( شرح الزاد ) )، وهل يدخل فيه، يعني في النهي معرفة وقت كسوف الشمس والقمر أم لا؟

ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله تعالى أنه لا يدخل، يعني يمكن العلم به بغير ادعاء التأثير.

قوله: (ذكره حرب عنهما) . أي عن قتادة وابن عيينة، وحربٌ من أصحاب أحمد وهو حربٌ بن إسماعيل أبو محمد الكِرْمَانِي الفقيه من جِلَّة أصحاب أحمد، روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وغيرهم، وله كتاب (( المسائل ) )التي سأل عنها أحمد وغيره. مات سنة ثمانين ومائتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت