-رحمة الله تعالى بالخلق إذ لم يتركهم هملًا، بل أرسل إليهم الرسل، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فالله عز وجل خلق الخلق ومع ذلك رحمهم وأرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، أمرهم ونهاهم، أمرهم عن كل ما يُفيدهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن كل مفسدة ويضرهم في الدنيا والآخرة، وهذه رحمة بل هي غاية الرحمة.
ثانيًا: فيه أثبات أفعال الله تعالى الاختيارية من قوله: ( {بَعَثْنَا} ) بعثنا فهو فعل ماض على بابه كما سبق في قوله: ( {وَمَا خَلَقْتُ} ) .
الثالثة الفائدة الثالثة: الحكمة من إرسال الرسل وتتمثل في الرحمة كما هو النص السابق {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} .
ثانيًا: إقامة الحجة واعذار الخليقة. إذ ليس لهم بعد إرسال الرسل حجة البتة. وهنا الذي يحصل به إقامة الحجة السماع بالرسول فقط، ولا يشترط ما عدا ذلك، وهذا سيأتي بحثه في مسألة مستقلة. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وسبق أن الرسول له حقيقة شرعية. إذًا {رَسُولًا} إنسان أوحي إليه بشرع، فإذا سمع الناس بذلك الرسول الذي أوحي إليه بشرع ولم يبحثوا ولم يسألوا عن شرعه أقيمت الحجة عليهم، وهل تشمل العلماء؟ لا، نحن هنا في إقامة الحجة لا تشمل العلماء، وإنما هي خاصة كما قال: {رَسُولًا} والرسول له حقيقة شرعية، لماذا نعتني بأن اللفظ له حقيقة شرعية أو لا؟ عند النزاع، فإذا جاء أو قال قائل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ما عندهم عالم يعلمهم، نقول: ما اشترط الله عز وجل عالم، أما سمع بالرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ نعم سَمِعَ. إذًا وجب عليه البحث. لو قال: ما عندهم عالم (من يعلمهم) ، قل: ما اشترط الله عز وجل عالم، إنما قال: {رَسُولًا} ، وفرقٌ بين الرسول والعالم، العالم شيء والرسول شيء آخر، وأما «العلماء ورثة الأنبياء» . هذا في شيء آخر فيما لم يرد فيه نص، فمسائل التوحيد وشرح التوحيد لا شك أنها عند العلماء وهم ورثة الأنبياء، فإذا سمع ذلك المشرك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأن دعوته قائمة في الجزيرة ولم يذهب ولم يستجب أُقيمت عليه الحجة، فلو مات مَاتَ مشركًا، الذي وقع فيه نزاع من لم يكن سمع البتة، شخص واحد ما هو أمة شخص واحد يعيش في أدغال أفريقيا ما سمع عاش مات إلى آخره ما سمع بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، هذا يَرِد فيه الخلاف، أما في الدنيا فهو مشرك إذا فعل الشرك، وقطعًا فعل الشرك لأنه إذا لم يأت بالتوحيد وقع في الشرك هذا مشرك، وأما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل، أما من سمع ويأتي ويحج ويذهب ويطوف بالقبور .. إلى آخره، لا، هذا لا نزاع بين أهل العلم أنه مشرك شرك أكبر أنه ليس بملة التوحيد.
إذًا إقامة الحجة والاعتذار قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، وقال {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]