ثالثا: أن الطريق إلى الله تعالى موقوف على متابعة الرسل، ولا طريق سواه البتة. هذه الحكمة من إرسال الرسل لا تأتي بشرع من عندك أنت، قال الله تعالى: ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ثم هذه العبادة مجملة هنا، ما هي هذه العبادة؟ ما نعرف، العقل ليس طريقًا للوصول إلى مفردات العبادة، وإنما نعلم جملة بأن الإنسان يُدرك بأن الله تعالى هو الخالق ولو يخلق الخلق إلا لحكمة وهي العبادة، وهذا دل عليه الشرع كذلك، ما هي هذه العبادة؟ الله أعلم بها، العقل لا يصل، لو جلس مائة سنة هل يمكن أن يمكن أن يستنبط الصلاة بصفتها الخاصة؟ والصيام والزكاة والحج؟ لا، لا يمكن هذا. إذًا لا وصول إلى مفردات العبادة إلا عن طريق الرسل، إذا من حكم إرسال الرسل إيضاح العبادة على جهة التفصيل، وأنه لا طريق للنجاة في هذه الدنيا إلا بإتباع الرسل، والعبادات ليس مصدرها العقل ولا الرأي ولا الهوى ولا غيرها.
رابعًا: الآية تفسير للآية الأولى كما سبق {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} إذًا ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) فمنهم من يعبد ومنهم لا يعبد، هذا تأكيدًا على أن اللام هنا للتعليل الشرعي (لام الحكمة) فلا يلتبس يعني إذا قيل: في المسألة قولان: بعض الناس قد يقع في نفسه شيء، هذا عالم وهذا عالم. نقول: لا النص دلّ على أحد القولين فتعين القول به.
خامسًا: أن العبادة هي التوحيد لأن الخصومة فيه، وهذا واضح بيّن، العبادة هي التوحيد، الخصومة بين الأنبياء والرسل وأقوامهم في ماذا؟ اختصموا في أي شيء؟ في التوحيد، هذا دليل بالأدلة الأخرى هذا سيأتي في المسائل هذا دليل يُفَسَّر به ويؤكد مذهب المصنف رحمه الله تعالى بأنه قوله: ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) يعني يوحدون، لأن العبادة هذه أُرْسِلَ بها الرسل ووقعت فيه الخصومة، ولم تقع الخصومة إلا في شيء واحد وهو توحيد الألوهية.
سادسًا: أن الرسالة عمت كل أمة، وهذا نص واضح بيّن، وهذا نص في العموم مع قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} إذًا لا خرافة بأن يقال: ثَمَّ أمة لم يصلها رسول لاحق ولم تدرك الرسول السابق.
سابعًا: فيه أنه لا توجد أمة لم يبعث فيها رسول كما ذكرنا في الآية السابقة.
ثامنًا: أن دين الأنبياء واحد لأنه قال: ( {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} )
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ، وقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} ... [المائدة: 48] فالأصول متفق عليها، وأما الشرائع فهي التي تختلف من رسول إلى رسول، ولذلك قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وقال - صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء أولاد علات» . يعني إخوة لأب وأمهم شتى. أي الإخوة لأب من أمهات شتى.