فهرس الكتاب

الصفحة 1227 من 2014

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أخبر - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم، أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذمًّا لمن لم يتركه، يعني بأن فعله، وهذا يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وهو كذلك، يعني ما نُسِبَ إلى الجاهلية إلا للذم نسبةً إلى الجهل وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذمٌّ لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم وليس المدح، وهذا كقوله تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] . فإن في ذلك ذمًّا للتبرج لأنه نسبه إلى الجاهلية الأولى، ومر معنا بحثٌ في المراد أو لماذا قيد هنا بالأولى، وذمًّا لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة، بالجملة، في الجملة، في الجملة يعني في البعض، وبالجملة يعني في الجميع، ولذلك المقصود بقوله: ( «لا يَتْرُكُوهُنَّ» ) . أن الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيءٌ من ذلك لا يتركونه في أمتي، هل كل الأمة ستفعلها؟ الجواب: لا، هناك مؤمنون خُلَّص بينهم وبين هؤلاء سور من حديد حينئذٍ كيف يَنْسِبُ النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ أراد المجموع بالمجموع، بمعنى أن بعض الأمة ستفعل ما فعله اليهود والنصارى ومن شاكلهم. إذًا أن الأمة كمجموع لا كجميع، كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيءٌ من ذلك، لأن ذلك خبرٌ من الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، فالأمة لا تترك كل واحدةٍ منها باعتبار المجموع بالمجموع، والمراد بهذا الخبر التنفير إذ ليس مراده بالخبر بأن هذا الأمر سيقع أن يُؤخذ به كقوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم» . ليس المراد سيروا بسيرهم؟ لا، إنما المراد احذروا فلا تتبعوهم، وهكذا النص هنا، قوله: ( «الْفَخْرُ بالأحساب» ) . ( «الْفَخْرُ» ) المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان، شيءٌ منفصل عنه كالمال والجاه ونحو ذلك، ويقال له الْفَخَرُ، الْفَخْرُ فَعْلٌ بإسكان (العين) الخاء، وقد يقال الْفَخَرُ على وزن فَعَل، وَرَجُلٌ فَاخِر وفَخُورٌ وَفَخِيرٌ على التكثير يعني صيغة مبالغة، قال تعالى: {إِنَّ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فَعُول يعني كثير الفخر، والحسب الذي هو أشار إليه بقوله: ( «الْفَخْرُ بالأحساب» ) . الحسب واحد الأحساب، وهو ما تَعُدُّهُ من مفاخر آبائك، أو ما يُعده الإنسان له ولآبائه من شجاعة وفصاحة ونحو ذلك، فقوله: ( «الْفَخْرُ بالأحساب» ) . الباء هنا للسببية، يعني افتخر وتعالى وتعاظم بسبب النظر في الحسب ونحو ذلك، أي يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه فالتشرف بالآباء والتعاظم بِعَدِّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم هذا هو الفخر بالأحساب الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك جهل عظيم، بل هو من أمر الجاهلية وهو من أمر الجاهلية إذ لا شرف إلا بالتقوى، هذا وجه إضافته للجاهلية، فكانوا لا ينظرون إلى الدين وإنما ينظر إلى الحسب من أين هو؟ فجاء الإسلام بذم ذلك وجعل قاعدةً يسير عليها المسلمون، وهي قوله جل وعلا: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت