وقوله: (من الليل) من لابتداء الغاية وتحتمل الظرفية، يعني كانت في الليل، يعني الظرفية (من) تأتي للظرفية، وإذا كان الأصل فيها لبيان الجنس، لكن قد تأتي بمعنى (في) لكن للظرفية. قال: (فلما انصرف) ، (على إِثْرِ سماء كانت من الليل، فلما انصرف) ، (لَمَّا) بمعنى (حين) ، والفاء هنا للترتيب فحسب، (فلما انصرف) أي لَمَّا التفت إليهم - صلى الله عليه وسلم - من صلاته بوجه الشريف، ويحتمل أنه أراد أن الصلاة هنا السلام، إما أنه التفت إليهم، وإما أنه أراد ماذا؟ أراد السلام، والثاني أولى، يعني انصرف من صلاته بالسلام، خرج منها، لقوله أقبل إليهم، إذا لو كان الانصراف المراد به الإقبال، ما المراد بأقبل إليهم أو (أقبل على الناس) هذا يحتاج إلى أنه مكرر، (فلما انصرف) أي سلَّم من صلاته، وثَمَّ وجهان يذكرهما أهل العلم في هذا الموضع. أي لَمَّا التفت إليهم من صلاته بوجهه، ويحتمل أنه أراد السلام لا القيام من مكانه والتحرك بدليل قوله: (أقبل على الناس) أي التفت إلى المأمومين كما هو معلوم من حاله وحال أصحابه، وإتيانهم بالذكر المندوب. قال في (( التيسير ) ): ففيه دليل على أنه لا ينبغي للإمام إذا صلَّى أن يجلس مستقبل القبلة، بل ينصرف إلى المأمومين كما صحَّت بذلك الآثار. لا ينبغي إن أراد به ما يقابل، ما يعبَّر به عن الاستحباب لا إشكال فيه. وأما من هذا النص لا يدل على أنه لا ينبغي يعني لا يجوز، لماذا؟ لأنه مجرد فعل، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على الاستحباب ما لم يقترن به قرينة تدل على الوجوب. وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاته فأقبل على الناس حينئذٍ نقول: هذا هو السنة. أما أنه لا ينبغي إذا كان ثَمَّ ما يدل على ذلك فهو حسن، وإلا النصّ وحده لا يدل. (أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم» ) هل لفظ استفهام، حرف استفهام، ومعناه التنبيه، والتَّشويق لِمَا سَيُلْقَى عليها، وإلا فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنهم لا يعلمون ( «ماذا قال ربكم» ) إذًا جاءهم من جهة الوحي، ومعلوم أن الصحابة لا يُوحى إليهم، إذًا يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصحابة لا يعلمون، وإنما أراد ماذا؟ أراد تمهيدًا أن يمهد لهم بهذا السؤال من باب التنبيه والتشويق، لِمَا سيُلْقَى عليهم، وهو أسلوب عربي فصِيح، وإلا فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله، لأن الوحي لا ينزل على الصحابة، وإنما ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية النسائي: «ألم تسمعوا ماذا قال ربكم الليلة» كذلك لا يسمعون، وإنما يسمعون بواسطة، ولم يسمعوه ماذا؟ ولن يسمعوه مباشرة، ولم يسمعوه مباشرة قطعًا كذلك، وهذا من الأحاديث القدسية: (قال الله) لأن فيه إسناد الفعل أو القول للباري جل وعلا. قال الحافظ: وهي تحمل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها عن الله بواسطة أو بلا واسطة، فهو محتمل لأنه وحي، وإذا كان وحيًا فالوحي: إما أن يكون بواسطة ملك يُرسل إليه، وإما أن يَسمعه مباشرة.