فهرس الكتاب

الصفحة 1253 من 2014

فالصحيح أنه لا يجوز. ولو كان المراد به نسبة وقتٍ، يعني أراد الباء بمعنى (في) الظرفية لما تقدم أن معنى الحديث هو نسبة السقيا إلى الأنواء لفظًا، لأن الذي ذمّ هنا اللفظ، حينئذٍ نقول: هذا ممنوع، وإن كان القائل لذلك يعتقد أن الله هو المنزل للمطر فهذا من باب الشرك الخفيّ في الألفاظ، كقولهم: لولا فلان لم يكن كذا. وقد يعتقد ماذا؟ يعتقد السببية حينئذٍ يكون أسنده إليه على الأصل. نقول: يُمنع من هذا اللفظ. لأن اللفظ هذا صار علامة على وجود الشرك، فإذا كان كذلك فالأصل فيه المنع.

وفيه معنى قوله تعالى: {َعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216] ، فإن كثيرًا من النعم، قد تَجُرُّ الإنسان إلى شر، كالذين قالوا: مطرنا بنوء كذا، بسبب نزول النعمة. نزل المطر والأصل أنه نعمة ماذا ترتب عليه؟ أحبوا المطر، ونزول المطر، حينئذٍ وقعوا في الشرك الأصغر والكفر الأصغر بسبب النعمة، إذًا قد يكون شيئًا محبوبًا لكنه يَجُرُّكَ إلى باطل.

قال بعضهم: لا يجوز قولهم: مطرنا بنوء كذا، ويجوز مطرنا (في) نوء كذا، يعني التصريح بـ (في) التي للظرفية. والفرق بينهما أن الباء للسببية، و (في) للظرفية. وأما إذا قال: مطرنا بنوء كذا وقصد الباء للظرفية، فقولان والصحيح المنع كما سبق. لأن لفظ الحديث: ( «مطرنا بنوء كذا» ) ، والباء للسببية أظهر منها للظرفية، هذا عند من يفهم، وأما عند من لا يفهم هذا لا ينبغي التعليل بمثل هذه التعليلات لأنه لا يدري السببية من الظرفية. والعكس بالعكس، فـ (في) للظرفية أظهر منها للسببية، فالأصح في ذلك المنع ولو قصد الظرفية والعلم عند الله.

قال المصنف: وفيه: (التفطن للكفر في هذا الموضع) يعني يشير إلى ماذا؟ إلى أن الكفر ليس المراد به الكفر الأكبر، وليس مطلق الكفر الأصغر، وإنما المراد به نسبة النعمة إلى غير الله تعالى، فهو مقابل لقوله: ( «مؤمن بي» ) فالمراد به إيمان خاص، وكافر بي المراد به كفر خاص. حينئذٍ قابل الخاص بالخاص. يُشير إلى أن المراد بالكفر هنا هو نسبة النعمة إلى غير الله تعالى كالنوء ونحوه على ما تقدم.

ولَمّا كان إنزال غيثه من أعظم نعم الله وإحسانه إلى عباده لِمَا اشتمل عليه من منافعهم فلا يستغنون عنه أبدًا كان من شكره الواجب عليهم أن يضيفوه إلى الْبَرِّ الرحيم المنعم ويشكروه على ذلك، فإن النفوس قد جبلت على حبّ من أحسن إليها، والله تعالى هو المحسن المنعم على الإطلاق. المحسن اسم من أسماء الباري جل وعلا، والمنعم من باب الإخبار، وليس اسمًا لله عز وجل. قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} فما بالعباد من نعمة إلا وهي منه وحده جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت