فهرس الكتاب

الصفحة 1258 من 2014

وقوله: ( {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} ) الباء هنا للقسم، ومواقع جمع موقع، ومعنى قوله: ( {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} ) مساقطها وهي مغاربها، كذا قال قتادة وغيره، وقال عطاء: منازلها. وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا. فالمراد بالنجوم المعروفة هنا، وهو كذلك، وهو الظاهر، ومواقعها مطالعها ومغاربها. هذا الذي يُراد بها. ورُوِيَ عن ابن عباس قول آخر هنا في هذا الموضع، رُوِيَ عن ابن عباس وبه قال السُّدِّي وغيره: يعني نجوم القرآن. نزل القرآن منجَّمًا. فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا في السنين بعده. رواه ابن جرير في تفسيره، وفي سنده حُكَيْم بن جُبَيْر وهو ضعيف، رُمِيَ بالتشيع. هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فلا حجة للأشاعرة في إنكار كون الكلام صفة للباري جل وعلا بأن جبريل ما سمعه من الله. وإنما أخذه مباشرة من اللوح المحفوظ، وهذا ليس بصحيح، بل الصواب أن السند متصل سمعه جبرائيل من الله عز وجل مباشرة بحرف وصوت، ثم نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فسمعه من جبريل مباشرة، ثم بلَّغَه النبي أمته. وهذا هو الحق المعول عليه. وأما هذا القول قول ابن عباس - إن صحَّ - فيجب تأويله على مخرج يوافق معتقد أهل السنة والجماعة بأن جبريل أخذه من الله عز وجل مباشرة.

وعلى قول ابن عباس مواقعها نزولها شيئًا بعد شيء والأصح الأول، أن النجوم هي الكواكب، ومواقعها مساقطها عند غروبها. قال مجاهد: يقال مطالعها ومشارقها واختاره ابن جرير. وقلنا: هذا هو الأصح. وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم، وبين المقسم عليه، وهو القرآن من وجوه، لا بد من مناسبة، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75] ، {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} ما المناسبة بين النجوم والقرآن؟ ابن القيم له توجيه ما أجمله من توجيه. يقول رحمه الله تعالى: ثَمَّ مناسبة:

أحدها: أن النجوم جعلها الله يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن في يُهْتَدى بها ظلمات الغيّ والجهل. [الله أكبر، هذا تنظير ما أجمله من تنظير] ، فتلك هداية في الظلمات الحسِّيَّة، وآيات القرآن هداية في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين.

ثانيًا: مع ما في النجوم من الزينة الظاهرة للعالم، وفي القرآن من الزينة الباطنة كذلك.

ثالثًا: ومع ما في النجوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجنّ كذلك. كسابقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت