فهرس الكتاب

الصفحة 1261 من 2014

كذلك في كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم، وفيه: ألا يمس القرآن إلا طاهر. يعني على الآية شيء والحديث شيء آخر. ألا يمس القرآن إلا طاهر. قال بعضهم: مؤمن. وهذا فاسد، لماذا؟ لأن المتصف بحقيقة الإيمان في الشرع له ألفاظ خاصة به، بل لم يرد في القرآن ولا في السنة إطلاق لفظ الطاهر على المؤمن. وإنما يُسمى المؤمن والمحسن والمتقي .. إلى آخره. وأما الطاهر فالمراد به الطهارة من الحدثين، وهذا مذهب الجمهور، والصحيح في الآية أنها لا تدل على ذلك، بل ظاهرها أن المراد به ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، أو اللوح المحفوظ على الخلاف. وبعضهم جعله اللوح المحفوظ لأنه أقرب مذكور. والأصل في الخبر حينئذٍ كالأصل في الخبر أن يحمل على الخبر، ولا يحمل على الطلب إلا لقرينة ودليل ولا دليل هنا البتة.

قوله: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 80] . قال ابن كثير: أي هذا القرآن منزل من الله رب العالمين، وليس كما يقولون إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه وليس وراءه حق نافع. وفي هذه الآية إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل، تكلم به، لأنه قال: ... {تَنزِيلٌ} . وفيه كذلك إثبات علو الله سبحانه على خلقه، يعني علو الذات، فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الْفِطَر هو وصول شيء من أعلى إلى أسفل، فقوله: {تَنزِيلٌ} هذا مصدر بمعنى اسم المفعول أي مُنَزَّل، قرأ الجمهور بالرفع {تَنزِيلٌ} على أنه صفة أخرى لقرآن، أو خبر مبتدأ محذوف، وقُرِأَ بالنصب على الحال (تَنْزِلًا) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وذكر التنزيل مضافًا إلى ربوبيته للعالمين، {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} لماذا؟ لا بد من فائدة؟ قال: ذكر التنزيل مضافًا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة لملكه لهم وتصرفه فيهم، وحكمه عليهم، وإحسانه وإنعامه عليهم. وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سُدى. ويدعهم هَمَلًا، ويخلقهم عبثًا، لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يُثِيبهم ولا يعاقبهم، فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله، يعني رب العالمين لا بد وأن يُنْزل عليهم ما يكون حكمًا وحَاكِمًا عليهم وإلا لو تركهم كذلك حينئذٍ كيف يخلق الخلق بلا حكمة، وقد قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أَقَرَّ بأن القرآن تنزيله على رسوله، واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله، وصحة ما جاء به. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فدل ذلك على أن القرآن نازل لجميع الخلق، وهو كذلك، ففيه عموم رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن القرآن نزل من ربهم، فإذا أقر بذلك فهو الحكم بينهم، الحاكم عليهم، وأن نزول القرآن من كمال ربوبية الله تعالى، وقوله: ... {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] في آية أخرى يدل على أن القرآن رحمة للعباد أيضًا فربوبية الله تعالى مبنية على الرحمة، كما تقرأ ... {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فكل أمر من الله عز وجل لعباده أو نهي له فهو رحمة بهم. وهذه كما دل عليه النصان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت