قوله تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ} [الواقعة: 81] الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت السابقة، والمدهن والمداهن هو المنافق كذا قال الزجاج وغيره. وقال عطاء: هو الكذاب. وقال مجاهد: ممالئون للكفار على الكفر، والمعنى تُريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والحديث المراد به القرآن. ورجح الشوكاني. الأول لأن المدهن والمداهن المنافق لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه. وهذا شأن المنافق، كأنه يُشبه الدُّهن في سهولته. قال الراغب الأصفهاني: والإدهان في الأصل مثل التدهين لكن جُعِل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الْجِدِّ، فيه شيء من المداراة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم وبَّخهم سبحانه على وضعهم الإدهان في غير موضعه. وأنهم يداهنون في ما حقّه أن يُصدع به، ويُفَرَّق به، ويُعَضّ عليه بالنواجذ، وتُثْنَى عليه الخناصر، وتعقد عليه القلوب والأفئدة. ثم ذكر أوصافًا للقرآن. ثم قال: فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم يُنْزَل للمداهنة، وإنما نَزَلَ بالحق وللحق، والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته. أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته فيحتاج المداهِن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل، فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يداهن فيه.
وفيه أن المداهنة قد يلتفت إليها في بعض المواضع دفعًا لأعلى المفسدتين، على تفصيل في موضوعه.
قوله: ( {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ) سبق بيانها.
مناسبة الحديث أو الحديثين للباب: أن فيه تحريم نسبة المطر إلى النجم، وكذلك في تسميته كفرًا وتكذيبًا، ففيه تحريم نسبة نزول المطر إلى النجم وتسميته كفر، قلنا: كفرًا أصغر.
وفيه مشروعية تعليم الناس ما يُخِلُّ بالتوحيد كما مر معنا لأن هذه المسألة تتعلق بالتوحيد، بل آكد ما يُشْتَغل به في الدعوة إلى الله تعالى هو هذا الأصل العظيم. لا يقال: الناس موحدون، إنما نقول التوحيد مراتب، فحمل الناس على التوحيد الأكمل هو المقصد الأعظم، ولو وحَّد الناس الله تعالى حقّ توحيده لَمَا وقعوا في ترك واجب أو فعل محذور البتة.
وفيه وجوب شكر الله على النعمة وأنه لا يجوز إضافتها لغير الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل) - في هذا الباب:
(الأولى: تفسير آية الواقعة) . وهي قوله: ( {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ) . وتجعلون شكركم كما مر معنا، على هذه النعمة أنكم تكذبون وتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.
(الثانية: ذكر الأربع من أمر الجاهلية) . وهي: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت.
(الثالثة: ذكر الكفر في بعضها) . يعني أطلق الكفر على بعضها. مثل الاستسقاء بالنجوم، وكذلك الطعن في الأنساب، والنياحة، وقد ذكرت بالأمس أنه لم يرد، وقد ورد كما في حديث: «اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت» . والحديث في (( صحيح مسلم ) ). حينئذَ يحمل الكفر هنا أنه كفر دون كفر. يعني كفر أصغر.