فهرس الكتاب

الصفحة 1266 من 2014

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لا تُحَدّ المحبة بِحَدٍّ أوضح منها - يعني من لفظ المحبة - فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً، فحَدُّهَا وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، فإذا قيل: ما المراد بالمحبة؟ فهي المحبة، لكن لا بد من توصيفها من حيث ما أراده الشارع، بمعنى أن المحبة ليست محبةً فطرية، وإنما المراد بها محبةٌ شرعية، حينئذٍ إن جاء الشرع بشيء يدل على أن هذه المحبة ليس المراد بها المحبة اللغوية من حيث المعنى، لأن المحبة ممكن أن يقال بأنها الميل أو أنها المودة أو نحو ذلك، هل المراد مودة الله تعالى ومحبته فحسب؟ نقول: لا، [لا بد من ذلك] لا بد أن يُتْبِعَ تلك المحبة بأثرها ولازمها وهو الإِتِّبَاع، إتباع أوامر الله جل وعلا واجتناب نواهيه، حينئذٍ انتفاء الإتباع دليل على انتفاء المحبة مع إمكان وجود المحبة الطبيعية لكنها لا وزن لها لأن المعتبر هنا المحبة الشرعية، حينئذٍ إذا ادَّعَى مُدَّعٍ بأنه يحب الله تعالى فينظر إلى عمله هل هو ممتثل لأمر الله تعالى ومجتنب لنهيه؟ إن كان كذلك فالدَّعَوى صحيحة قائمة المحبة في القلب، وإلا إن لم يكن كذلك فدعوى المحبة نقول: هذه باطلة وليست موجودة في القلب، فإن قال: إن ثَمَّ مودة أو ميل نقول: هذه محبة طبيعية ولا أثر لها البتة. كما مر معنا في شرح (( الأصول الثلاثة ) )أن العلم الشرعي هو معرفة العبد ربه ونبيه ودينه. وقلنا: المعرفة هنا ليست المراد بها المعرفة الفطرية، لماذا؟ لأنه يعرف ربه يعني وجوده، لكن ثم ماذا؟ هل يستقيم على شرع الله جل وعلا؟ هل يستسلم لشريعة الله جل وعلا؟ إن كان كذلك فالمعرفة شرعية وإلا فهي فطرية ووجودها وعدمها سواء، لا يلتفت إليها البتة، فهذه المعاني التي تقوم بالقلب من المحبة والرجاء والخوف والتوكل والإنابة لها حقائق شرعية مع مراعاة المعاني اللغوية، فحينئذٍ وجودها وعدمها باعتبار موافقة الشرع وعدمه، فمن وافق الشرع حينئذٍ نقول: هذه دعوى مقبولة وهي موجودة في القلب، وإن لم يوافق الشرع فحينئذٍ نقول: هذه وجودها وعدمها سواء، وحينئذٍ يترتب عليه ما يترتب ما جاء في الشرع. إذًا لا تُحَدُّ المحبة، يعني لا نأتي إلى تعريف يُبَيِّنُ المراد بالمحبة لأنها أمر معنوي يُدْرِكُهُ كل متكلم بل كل إنسان عاقل يعرف بالمراد بالمحبة والحب والبغض ونحو ذلك.

قال رحمه الله تعالى: ببيان بعض ما يلزم من أحكام تتعلق بهذه المحبة، وهي مرادة شرعًا. يعني النظر في المعنى اللغوي لا يلزم منه أن لا نلتفت للشرع، والعكس بالعكس، بمعنى أننا إذا نظرنا إلى ضوابط المحبة في الشرع لا يلزم من ذلك أن لا ننظر إلى المعاني اللغوية التي دل عليها لفظ المحبة لأنه جاء ( {كَحُبِّ اللهِ} ) ، وجاء يحبون الله، وجاء غير ذلك من الألفاظ التي تدل على أن هذا اللفظ استعمل في الشرع، حينئذٍ هل المراد به المعنى اللغوي فحسب؟ الجواب: لا، فلا بد من النظر في المعنيين، المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت