قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذه المادة - يعني الحاء والباء - هذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء، وأراد بكونها تدور ليس المراد تفسيرها من حيث المعنى، وإنما من حيث ما يترتب عليها، وهو ما يُسمى بأحكام اللفظ أو بلوازم اللفظ أو بعلامات وآثار اللفظ وليس المراد أنه يُفسر المعنى بالمعنى، قال: تدور على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض. يعني يُستعمل ذلك اللفظ أَحَبَّ في الدلالة على أن الشيء بلغ في الغاية في الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حَبَبُ الأَسْنَانِ. فَعَلُ حَبَبُ الأَسْنَانِ، يعني بلغت الغاية في البياض والنضار.
الثاني: العلو والظهور. يعني من أحكام هذا اللفظ أن مُدَّعِيه يكون عنده شيءٌ من العلو والظهور، ومنه حَبَبُ الْمَاءِ حَبَبُ على وزن فَعَل يعني بفتح العين حَبَبُ الْمَاءِ وَحُباَبُهُ وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وَحَبُبَ الْكَأْسُ كذلك منه.
الثالث: اللزوم والثبات. يعني فيها دلالة على أن الشيء ثابت ولازم، اللزوم والثبات، ومنه حَبَّ الْبَعِيرُ وَأَحَبَّ، يعني يأتي بهمزة ودونِها حَبَّ الْبَعِيرُ وَأَحَبَّ إذا برك ولم يقم، إذًا المحبة فيها شيء يدل على اللزوم والثبوت، المتنقل إن ادَّعَى المحبة هذا في المعنى اللغوي غير موجود، لماذا؟ لأن المحبة تكون ثابتةً، وأما المتنقل هذه مجرد دعوى.
الرابع: اللُّبّ. ومنه حَبَّةُ الْقَلْبِ لِلُبِّهِ وَدَاخِلِهِ، إذًا حَبَّةُ الْقَلْبِ المراد به أنه اللب، ولب الشيء خالصه. إذًا المحبة هي خالص المودة. ومنه الْحَبَّة هذا اللفظ منه الْحَبَّة لواحدة الحبوب، لماذا سميت حَبَّة؟ قال: إذ هي أصل الشيء ومادته وقِوَامه، أليس كذلك؟ أصل الشيء أصل الشجرة الذي يكون من الثمار إنما يكون من الْحَب، حينئذٍ لَمَّا كان أصلًا للشجرة والثمار ونحوها سُمِّيَ حَبًّا لأنه أصل المادة وقِوَامها.
الخامس: الحفظ والإمساك. ومنه حِبُّ الْمَاءِ لِلْوِعَاء الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ وَيُمْسِكُه، وفيه معنى الثبوت أيضًا.
قال رحمه الله تعالى بعد إيراد هذه الخمسة كلها موجودة حتى في المعنى المحبة الشرعية، موجودة حتى في المعنى الشرعي أو إن شئت قل المحبة الشرعية.
قال رحمه الله تعالى: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة. يعني لا يُفهم بأنه أراد بتعريف السابق الخمسة أو الكلمات المرادفة للمحبة أن الترادف هنا من قبيل ماذا؟ التعريف لا، لم يرد هذا، وإنما أراد الدلالة باللفظ على لازمه، ومعلوم أن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، فإذا لم يكن ثَمَّ ثبات واستقرار وإذا لم يكن ثَمَّ أصالةٌ وثَمَّ حفظ وإمساك، حينئذٍ دعوى المحبة تعتبر مجرد دعوى ولا أساس لها حتى في المعاني اللغوية حتى في الأمور الطبيعية التي تكون بين الناس، فمن ادعى محبة ابنه، أو الابن ادعى محبة والده، والزوج والزوجة .. إلى آخره إن وجدت هذه المعاني الخمسة السابقة التي هي من لوازم المحبة فالمحبة ثابتة، وإلا ليست من محبة وإن سماها محبة، ودعك من أسماء الناس وما يسمونه وإنما العبرة بالحقائق، فإذا وُجِدَت هذه الحقائق اللوازم وُجِدَ الملزوم وهو دَعْوَى المحبة وإلا فهي مجرد دعوى.