فكل من عرف إما ذكر علامةً، وإما ذكر موجبًا، وإما ذكر شاهدًا وإما ذكر سببًا وإما ذكر ثمرة وكلها أمورٌ خارجةٌ عن مسمى اللفظ.
ثم قال في قولٌ كأنه اختاره وهو قول الجنيد، وصفه بأنه أجمع ما قيل فيها أن الجنيد سئل عن المحبة؟ فقالوا: فأطلق رأسه فدمعت عينيه .. إلى آخر ما ذكروه في القصة ثم قال في التعريف: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه - يعني كأنه خرج عن نفسه - متصل بذكر ربه، قائمٌ بأداء حقوقه - هذا أهم شيء لو لم يذكر هذا ما ذكرناه وأعرضنا عنه - كغيره قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هيبته، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله.
إذًا شيء في القلب قد يذهبه عن نفسه يترتب عليه ماذا؟ أنه يدور مع أحكام الله تعالى وجودًا وعدمًا، فلولا وجود هذا الوصف وهو دوران العبد مع من أحبّ وهو ربه جل وعلا دورانه مع أحكامه وجودًا وعدمًا لَمَا صحت أو لما صح دعوى وجود المحبة في القلب كما مر معنا، وهذه المحبة ركنٌ من أركان العبادة، والركن معلوم أنه داخلٌ في الماهية، لأنه جزءٌ من الماهية فانتفائها بانتفاء هذا الركن، [وينتفي] وإذا انتفى الركن انتفى الأصل وهو الماهية، لا تقوم عبادة دونها فالعبادة بمعنى التعبد كما قال غير واحد من أهل العلم: هي غاية الحب مع غاية الذل والخضوع. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في تعريف العبادة بمعنى التعبد يعني بالمعنى المصدري ليس بالمعنى الاسمي قال: تجمع كمال الحب مع كمال الذل يعني لا بد من هذين الأمرين تجمع كمال الحب مع كمال الذل فوجود أحدهما دون الآخر ينتفي معه وصف العبادة، ولذلك مر كلام الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: أن أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده.