قال ابن القيم رحمه الله تعالى: التعبد هو غاية الحب وغاية الذل. وقال رحمه الله تعالى: العبوديةُ مدارها على قاعدتين هما أصلها حبٌّ كامل وذلٌّ تام. ومعلوم أن الشيء إذا دار على قاعدته معناه أنه ينتفي بانتفاء هذه القاعدة. وقال في توضيح ذلك: فمن أَحْبَبْتَهُ ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، لأنه انتفى جزء من أجزاء الماهية، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون مُحِبًّا خاضعًا، وهذا يدل على أن العبادة بمعنى التعبد أحد ركنيها المحبة. وهذا يدل على أن المحبة غايةٌ في التعبد يعني ليست عبادة فحسب، بل هي غاية في التعبد، ومن هنا جاءت العلة في كونها إذا صرفت لغير الله تعالى صارت محبةً شركية لأنها أصلٌ للعبادة، فالعبادة كلها سواء كانت بمعنى التعبد أو بمعنى الاسم قائمةٌ على تحقيق هذا الأصل العظيم ومن هنا عرفنا أو نعرف أن إدخال المصنف رحمه الله تعالى باب المحبة في ضمن أبواب التوحيد أن هذه المحبة هي أصل التعبد، وثانيًا صرفها لغير الله تعالى يعتبر شركًا أكبر. والخضوع الذي عناه ابن القيم رحمه الله تعالى هو الخشوع يقال رجلٌ خُضَعَةٌ كثير الخضوع، خُضَعَةٌ على وزن فُعَلَة والخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والأصل قد يكون في القلب لكن في استعماله أكثر ما يستعمل فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تُستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح. الضراعة في القلب، والخشوع في الجوارح. هذا هو الغالب، وقد يُستعمل كل منهما في معنى الآخر، وأما الذُّل بضم الذال ما كان عن قهرٍ يقال ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًاّ، فَعَلَ يَفْعِلُ، والذِّل بالكسر ما كان بعد تَصَعُّبٍ بعد شيءٍ صعبٍ قالوا: ذِلّ، والذُّلُ متى كان من جهة الإنسان نفسه لنفسه يعني هو الفاعل فهو محمودٌ، قد يكون قهريًا وهو كوصف العبودية قد يكون قهريًا وقد يكون اختياريًا، فالقهري قهري كاسمه لا إشكال فيه، وأما الاختياري فإن كان بنفسه وكان الْمُذَلُّ له هو الله عز وجل فهو محمودٌ، وكذلك إذا كان للمؤمنين باختياره وكان أراد به وجه الله تعالى فحينئذٍ يكون محمودًا، وما عدا ذلك فهو مذمومٌ ففيه تفصيل. فلذلك قال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54] وهذا اختياري بمعنى أنه قصد به القرب إلى الله تعالى، وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] . قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له والانقياد لأمره، الله تعالى كما قال ومر معنا تفسير قوله جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] الوقوف مع معنى العبادة وما تقتضيه وما دلت عليه من معنى، وعلامات صدقها، وعلامات تخلفها، صدقها يعني وقوعها، وكذلك ما يصححها فحينئذٍ هذا مما يتعين الوقوف عليه لأمرين:
أولًا: لأنه يتحقق به في نفسه.
ثانيًا: معرفة ما يضاده.