التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح، يعني أربعة أمور إذا اجتمعت وهذه لا يمكن أن يتحقق بها إلا إذا عرفها من مصدرها وهو الشرع لأن العبادة اسم لما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال، حينئذٍ ثَمَّ قولٌ للقلب ثَمَّ قولٌ للسان ثَمَّ عمل بالقلب ثَمَّ عملٌ للجوارح، وكل منها مما يحبه الله تعالى. إذًا لا تحقق محبة الله تعالى على وجه التمام إلا بالتحقق لهذه المراتب الأربع. ولذلك قال التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسمٌ جامعٌ لهذه المراتب الأربع فأصحاب {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} حقًا هم أصحابها. يعني الذين تحققوا بهذه المراتب الأربعة، ثم ذكر فصلًا رحمه الله تعالى في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة - محبة الله تعالى:
قال: أحدها - لأننا عرفنا أنها عبادة، بل هي لبّ العبادة، بل هي أصل التوحيد، حينئذٍ كيف توجد في القلب؟ هذا مما ينبغي العناية به علمًا وعملًا. والثاني أكثر من الأول -
أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لِمَعانيه، وما أريد به - يعني ما أريد بهذا الكتاب - إذًا أصل محبة الله عز وجل هو تعلق القلب بكتاب الله تعالى، ليس المراد التعلق النسبي فحسب؟ لا، إنما المراد به القراءة والتدبر لمعانيه الموجبة للعمل بما دل عليه. يعني المراد أن يجمع بين الأمرين: قراءته قراءةً بتدبر، ثم بعد ذلك عملٌ بما دل عليه. قال: كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه، يعني كما تقرأ في كتب العلم كتابًا تتوصل به إلى إتقان فَنٍ حينئذٍ تقف معه لفظةً لفظة، وماذا يريد؟ وماذا يعني؟ وهل هذا قول مطلق؟ مُقَيّد .. إلى آخره، يقول لك ابن القيم: كذلك كتاب الله عز وجل تقرأه كهذه القراءة.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض جاء فيها النص فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال، باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
الرابع: آثار محابه، قراءة القرآن بتدبر، تقرب إلى الله بالنوافل، دوام ذكره، هذه قد تسهل على العبد، لكن الرابع الإيثار بمعنى أنه إذا تعارض أمر الله تعالى مع شيءٍ آخر مع الهوى، مع الابن، مع الزوجة، مع الدنيا، مع الشهادة .. إلى آخره، أي المحبتين تقدم؟ هنا يقع النزاع ويقع التخالط ويقع الهوى، آيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، وهذا هو المحك وإن صعب المرتقى، يعني هذا أصعب من سابقه، قد يسهل على الإنسان أن يقرأ بتدبر، وقد يسهل عليه أن يتنفل، وقد يسهل عليه أنه يذكر ربه، لكن كونه إذا تعارض عنده الأمران أمر الله تعالى وأمر غيره فيقدم أمر ربهِ هذا الذي يحتاج إلى مجاهدةٍ أكثر.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومفادتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبّه لا محالة، وهذا يقتضي ماذا؟ أن يتعلم طالب العلم ما هو هذا الباب.