فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 2014

قال تعالى - مثالًا على القضاء الكوني - {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] {لَتُفْسِدُنَّ} فساد، والله لا يحب الفساد كيف قال هنا: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ} كتب عليهم الفساد وقضى قضاءً كونيًا، والله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، فكيف حينئذٍ نجمع بين هاتين الآيتين؟ لأهل البدع مخارج ولكن أهل السنة الجماعة قالوا: هذا قضاء كوني، ولا يلزم أن يكون محبوبًا إلى الرب جل وعلا، وإنما أراده كونًا فكان وحصل ووقع لما يترتب عليه من الحكم والمصالح العظيمة، لأن الفساد والكفر ولا يرضى الله عز وجل الكفر لكن وقوعه ووجوده، كذلك المعصية والبدعة، يترتب عليها آثار عظيمة، ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في غير موضع بأن أعظم ما يترتب على وجود هذه الظهور آثار أسماء الرب جل وعلا، فإذا وُجِدَ الكفر حينئذٍ الرب جل وعلا توّاب يتوب على من؟ أراد الخروج من هذه المعصية، كذلك الشرك والبدع والمعاصي والفساد كله إذا وُجِدَ حينئذٍ إذا خرج من وهذه المفسدات وهذه المعاصي نقول: وُجِدَ أثرًا اسمه جل وعلا التوّاب وكونه قد تاب على ذلك العبد، لو كان الناس كلهم على طاعة يتوب على مَنْ الرب جل وعلا؟ يغفر لمن؟ حينئذٍ لا يوجد مقتضى هذا الأثر أثر الاسم، حينئذٍ يترتب على وجود هذه المعاصي الكفر ونحوه أن الرب جل وعلا يغفر ويتوب ويصفح ويعفو، لو كان الناس كلهم على مرتبة واحدة من الطاعة والإحسان يغفر لِمَنْ ويعفو عمن؟ ويصفح لمن؟ حينئذٍ آثار أسماء الرب جل وعلا تظهر في ذلك، وكذلك الله عز وجل من صفاته الغضب وينتقم وذو البطش يبطش بمن؟ لو كان الناس كلهم على طاعة؟ إذًا لها أثر عظيم، ولذلك ذكر بعض السلف أن المعصية قد تقود بصاحبها إلى الجنة، والطاعة قد تقود بصاحبها إلى النار، صحيح؟ كيف هذا؟ نعم تقود صاحبها إلى الجنة، نعم يقع في المعصية ثم يكسوه ندم وتوبة وأوبة وإنابة إلى الله عز وجل، ولذلك البعض هكذا يقع يكون على استقامة أو لا يكون، ثم بأثر وقوعه في المعصية يحصل له نوع يقظة، يعني يستيقظ من غفلته، وهذه أول منزلة ذكرها ابن القيم في (( منازل السائرين إلى الله ) )عز وجل اليقظة يستيقظ من غفلته، حينئذٍ يتوب ويرجع إلى الله عز وجل، وقد يحصل للبعض نوع خشوع وانكسار لأنه وقع، وخاصة بعض من يكون على طاعة ولا يكون عنده شيء أو لا يرى أنه يقع في شيء من المعاصي قد يكون في قلبه شيء من الغرور والْعُجْب فإذا وقع انكسر، وإذا أنكر حينئذٍ خشع وذل لله عز وجل وأناب، إذًا هذه المعصية قادته إلى الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت