والطاعة قد تقوده إلى النار والعياذ بالله يعمل الطاعة يصلي مثلًا ولكنه يرائي ويصوم ويرائي يدخله العجب والغرور حينئذٍ يقوده أو تقوده هذه الطاعة إلى النار، وخاصة إذا أكثر من الطاعات ولم يكن حوله من الناس من يكون على جهته أو على وتيرته لأن الشخص إذا انفرد عن الناس حينئذٍ يقع في نفسه شيء من الغرور كمن يطلب العلم ولا يطلب غيره العلم، أو يكون حافظًا وغيره لا يحفظ قد يقع في نفسه شيء من الغرور حينئذٍ إذا وقع في هذه الطاعة ثُمَّ تَلَبَّسَ بمثل هذه المعايب قادته هذه الطاعة إلى النار والعياذ بالله، والمعصية كذلك تقود صاحبها إلى الجنة. والله المستعان.
إذًا الكوني لا بد من وقوعه ويعم ما أحبه الله وما لا يحبه الله عز وجل، والآية التي ذكرناها واضحة بَيِّنَة {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ} والله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين، فكيف قضي الله عز وجل بالفساد؟ نقول: قضاه كونًا، لماذا؟ نقول: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] ، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ثم نلتمس بعض الحِكم التي كما ذكرنا منها ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من ظهور آثار أسماء الرب جل وعلا وصفاته، لولا وجود المعاصي من أسمائه التوّاب يتوب على مَنْ؟ أليس كذلك، يعفو ويصفح من صفاته، يعفو ويصفح عمن؟ إذا لم يكن ثَمَّ معاصي، فالله لا يشرع الفساد ولا يحبه بل لا يحب المفسدين.
والقضاء الشرعي هذا منسوب إلى الشرع هذا يجوز وقوعه ولا يكون إلا فيما يحبه الرب جل وعلا. إذًا فرق بين النوعين ومنه الآية التي معنا ... ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ) نقول: ها هنا القضاء شرعي، لماذا؟ لكونه ( {قَضَى} ) هنا بمعنى أمر ووصّى وشرع، وهذا الذي أمر به وهو عبادته جل وعلا وحده بالإخلاص مع الإحسان إلى الوالدين نقول: هذا مما يحبه الله جل وعلا، لكن هل يقع يلزم منه وقوعه؟ الجواب: لا، لا يلزم منه الوقوع، وهذا الشأن هنا القول كالقول فيما سبق في قوله جل وعلا: ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) وسيأتي مزيد بيان في كلام القرطبي رحمه الله تعالى في معنى القضاء. ... ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) ، ( {قَضَى رَبُّكَ} ) قضى: قال مجاهد: وقضى يعني. وصى فالقضاء هنا بمعنى الوصية، وكذا قرأ أُبَيُّ بن كعب وابن مسعود وغيره، قرؤوا ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) (وصى ربك) لكنها قراءة شاذة ليست متواترة، وإن فسر قضى بمعنى وصى وهذا مما يستفاد من القراءة الشاذة أنها في حكم خبر الآحاد، حينئذٍ إذا وجد في مثل هذه الآيات فسرنا المتواتر بالشاذ فنجعله قولًا للصحابي وبعضهم يجعل له حكم الحديث المرفوع، لكن يُفَسّر هنا ( {قَضَىَ} ) بمعنى وصى.