ولابن جرير عن ابن عباس ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) يعني أمر. قال ابن جرير: والمعنى واحد. يعني معنى القولين واحد، وصى وأمر بمعنى واحد، وإن كان أمر هو الذي يكون أظهر. قال القرطبي: ( {وَقَضَى} ) أي أمر وألزم وأوجب ( {قَضَى رَبُّكَ} ) أي أمر وألزم وأوجب. قال ابن عباس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حكم. يعني ليس قضاءً كونيًا. إذًا التفريق بيّن بعض الألفاظ الشرعية من حيث القضاء الشرعي والقضاء الكوني، وكذلك الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، هذا له سلف وليس من مبتكرات ابن تيمية أو ابن القيم رحمهما الله تعالى، وليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر، يعني قضاء شرعي وليس بقضاء كوني. وفي مصحف ابن مسعود: ... (ووصّى) وهي قراءة شاذة كما ذكرناه وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباسٍ أيضًا وعلي وغيرهما، وكذلك عند أُبَيّ بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين فقرئت: ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) يعني أرادوا أن يجعلوا الأصل وصى ولكنه حصل تصحيف وهذا القول ليس بسديد مرفوض أصلًا وفرعًا، إما أنه لا يصح عن ابن عباس، وإما أنه يؤول. يعني الأصل وصى، ثم حصل تصحيف حصل تصحيف بأن الواو وصى حتى تطبيق ما ذكروه فيه نوع تكلف. قال هنا: فالتصقت إحدى الواوين فقرئت: ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) . التصقت يعني أدغمن، ثم قرأت الواو الثانية بالقاف قيل: قضى. لكن هذا كما ذكرت باطل إما أنه لا يصح عن ابن عباس أصلًا، وإما أنه يؤول، وإما أنه حصل تصحيف وتكون قراءة متواترة هذا فيه نظر، بل مرفوض أصلًا وفرعًا كما ذكرت. (إنما هو ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين فقرئت وقضى ربك إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد) . إذ لو كان على القضاء، يعني كأنه بناءً على هذا القول المراد بقضى هنا القضاء؟ لا، ليس الشرعي القضاء الكوني. يقول: (إذ لو كان قضى، إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد، متى يكون هذا المعنى؟ إذا فسرنا القضاء هنا بالكوني، وليس الأمر كذلك، بل الصواب أن القضاء المراد به القضاء الشرعي. وقال الضحاك: تصفحت على قومٍ يعني(ووصى) فقيل قضى حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب بالمصحف. وهذا باطل لا يصح لماذا؟ لأن قراءة ( {وَقَضَى} ) هذه هي الثابتة وهي المتواترة وهي المشهورة، وأما (ووصى) فهذه قراءة شاذة، ودعوى أنه تصحيف هذا لا يصح.
قال أبو حاتم: ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. يعني لا يمكن أن يكون ابن عباس قال بالتصحيف. وقال: لو قلنا هذا: لطعن الزنادقة في مصحفنا. كل يَدَّعِي أن ثم تصحيفًا في القرآن لطعن الزنادقة في مصحفنا، وهذا باطل كما ذكرناه سابقًا، إذًا قضى بمعنى وصى، ولكن هل قضى أصلتها وصى وصحفت؟ قل: لا، هذه دعوى ليست عليها شيء يعتمد.
والقضاء يُستعمل في اللغة على وجوه:
-فالقضاء بمعنى الأمر كقوله: ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) معناه أمر.