والثاني - قال رحمه الله تعالى: أنه يجوز جعل القول الراجح الذي جعلناه راجحًا جعله جائزًا، ولم يجعله باطلًا كما قال ابن تيمية رحمه الله، أنه يجوز المراد كحبهم لله، بل هو الظاهر، هذا هو الظاهر، فإذا كان هو الظاهر فالأصل بقاؤه نحتاج إلى قرينة واضحة تدل على عدمه، أن يكون المراد كحبهم لله أي عبدة الأوثان. قاله ابن كيسان والزجاج، والمعنى ( {كَحُبِّ اللهِ} ) الصادر من المؤمنين أي كحب المؤمنين لله فيحبون هذه الأنداد كما يحب المؤمنون الله عز وجل، وهذا يحتمله اللفظ كما ذكرنا. ولكن السياق يأباه مع قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} كما ذكرنا محبة المؤمنين لله أشد لأنها خالصةٌ ليس فيها شرك، فمحبة المؤمنين أشد من محبة هؤلاء لله. وقيل: ثَمَّ قولٌ ثالث في الآية وذكره الشوكاني وغيره: المراد بالأنداد هنا الرؤساء الزعماء. أي يطيعونهم في معاصي الله، حينئذٍ وقع الشرك، لأن الطاعة قد تكون طاعةً شركية [وذلك إذا قَدَّم قول الله تعالى على قول غيره تعظيمًا له وإجلالا ًله] [1] ، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: ويُقَوِّي هذا الضمير في قوله: ( {يُحِبُّونَهُمْ} ) فإنه لمن يعقل ( {يُحِبُّونَهُمْ} ) ما قال يحبونها، لو كان المراد هنا الأنداد الجماد حينئذٍ لا يرجع إليها الضمير ضمير العاقل وإنما يكون يحبونها، لكن قال: ( {يُحِبُّونَهُمْ} ) . فإنه لمن يعقل، ويقويه أيضًا قوله: سبحانه عقب ذلك {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ} [البقرة: 166] . فدل على أن المراد هنا ما يتعلق بالإتباع، وهذا الإتباع إتباعٌ شركيٌ، بمعنى أن طاعة غير الله تعالى في تحليل الحرام أو تحريم الحلال يعتبر شركًا أكبر. وكما قلنا الأول أصح، والثاني والثالث لا مانع من أن يشمله اللفظ أيضًا، وأما الثاني فعلى ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الأول مقدمٌ عليه، ومر معنا القاعدة أنه إذا احتمل اللفظ في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - احتمل عدة معان حينئذٍ نقول: يُحمل على هذه المعاني كلها ما دام أنه لم يكن ثم منافٍ بينها. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: قَد وُجِدَ في الناس من يتخذ معه سبحانه ندًّا يعبده من الأصنام مع أن هؤلاء من الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبًّا عظيمًا وأفرطوا في ذلك إفراطًا بالغًا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنًا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه، فالمصدر في قوله: ( {كَحُبِّ اللهِ} ) مضافٌ إلى المفعول، والفاعل محذوف وهو المؤمنون. نص على خلاف ما اختير.
(1) على فهمي حدث لبس في الكلام فمفروض الصواب [وذلك إذا قَدَّم على قول الله تعالى قول غيره تعظيمًا له وإجلالا ًله] .