ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: ( {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ} ... إلى قول تعالى: {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} ) هذه الآية الثانية، وهي آية البراءة {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] هذا أمرٌ من الله تعالى لنبيه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - لأنه قال: ( {قُلْ} ) والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودل ذلك على أن القرآن كلام الله تعالى، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مبلغٌ لأنه قال: ( {قُلْ} ) فقال قل كذلك قوله: ( {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ} ) هذا خطاب للأمة فثَمَّ خطابان خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: ( {قُلْ} ) وفيه دلالة على ما مضى، وخطاب للأمة، إن قلت للصحابة والأمة سائر من بعدهم في حكمهم أو إن شئت قل خطاب للأمة لا إشكال فيه، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول للصحابة ومن بعدهم بأن يتوعدهم من وقع في شيءٍ مما ذُكِرَ في الآية من أحب أهله وعشيرته وأمواله ومساكنه فآثرها كلها أو بعضها لأن الحكم هنا على البعض هو الأصل أو بعضها على حبّ الله ورسوله يعني آثرها أو بعضها على حب الله ورسوله وفعل ما أوجب الله عليه من الأعمال التي يحبها ويرضاها كالهجرة والجهاد ونحو ذلك، وكانت هذه الآية نزلت في المسلمين الذين بمكة لَمَّا أُمِروا بالهجرة قالوا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت ديارنا وقطعنا أرحامنا وكان منهم من يتعلق به أهله وولده ويقولون: ننشدك بالله أن تضيعنا فيرق لهم ويدع الهجرة. فترك شيئًا مما يتعلق بأمر الله تعالى لأجل شيءٍ من هذه الأمور المذكورة.