فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} فبدأ الله تعالى بالآباء والأبناء والإخوان، ثم قال: {وَأَزْوَاجُكُمْ} أزواجكم واضحة {وَعَشِيرَتُكُمْ} العشيرة الجماعة التي تَرْجِعُ إلى عقدٍٍ واحدٍ وعشيرة الرجل قرابته الأَدْنَوْن وهم الذين يعاشرونه وهي اسم جمعٍ يعني لا واحد له من لفظه، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} الاقتراف هو الاكتساب، اكتسبتموها، وأصله اقتطاع الشيء من مكانه اقترفه يعني اقتطاعه، والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} التجارة هي الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان، {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} ، {مَسَاكِنُ} المراد بها المنازل ... {تَرْضَوْنَهَا} التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم ويرون الإقامة فيها أحب إليهم من الهجرة إلى الله ورسوله، {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} واضح، و {أَحَبَّ} خبر كان {قُلْ إِن كَانَ} هذا شرطٌ، وجوابه {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} ، {وَأَبْنَآؤُكُمْ} هذا اسم كان لذلك رفع، وما بعده معطوف عليه ولذلك هو مرفوع والخبر {أَحَبَّ} ولذلك هو بالنصب، أي إن كانت هذه الأشياء المذكورة في الآية وهي ثمانية {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} ومن الجهاد في سبيل الله {فَتَرَبَّصُواْ} هذا أمرٌ، والأمر هنا للتهديد، أي انتظر حتى يأتي الله بأمره فيكم وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، يعني {حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} أي من العقوبة التي تنزل بكم، وفي هذا وعيد شديد، ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به {حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} ما هو هذا الأمر، يجعلهم يذهبون كل مذهب، كل منهم يدعي ماذا؟ أن العقاب سيكون كذا وكذا وهذا فيه شدة كذلك، إذا أبهم الأمر ازداد بلاء الناس، ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به لتذهب أنفسهم كل مذهب، وتترددَّ بين أنواع العقوبات {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي الخارجين عن طاعته، النافرين عن امتثال أوامره ونواهيه، والمراد في الآية بقوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُم} المراد به الحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة، يعني هذه هي من النوع الثالث الذي مر معنا من المحاب الطبيعية حبّ الآباء والأبناء والأولاد والعشيرة والزوجة قلنا الأصل فيها ماذا؟ الإباحة، إلا إذا اقترن بها، مما يقترن بها أمه يتعارض أمر الله تعالى وأمر واحد من هؤلاء، فإن قَدَّمَ أوامرهم حينئذٍ وقع في المحبة الشركية، وإلا هذه الأمور من حيث هي الأصل فيها الإباحة، وإذا كان كذلك فحينئذٍ كيف يعاقب الباري جل وعلا على التلبس بمثل هذه الْمَحَاب، نقول: التلبس هنا اقترن به ما جعله مقدمًا على محبة الله تعالى، وقلنا: محبة الله تعالى تستلزم إيثار محبته على سائر المحاب، مهما تنوعت ومهما اختلفت، فإذا عكس الأمر وقع في المحذور، ولذلك نقول: المراد {أَحَبَّ} أي محبة هنا؟ الطبيعية الاختيارية السابقة أم المراد بها