والمقصود هنا ما جاء في التفرقة بين الإسلام والإيمان، قلنا: هذه أو هاتان اللفظتان الشرعيتان إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا، حينئذٍ إذا اجتمعتا افترقتا هذا محل الشاهد، فيفسر الإيمان بالعمل الباطن، ويفسر الإسلام بالعمل الظاهر، ما المراد بهذا الكلام، هذا قد يفهمه البعض أنه يفسر الإيمان بالعمل الباطن فقط فنعزله عن الظاهر، ويفسر الإسلام بالعمل الظاهر فقط ونعزله عن الباطن؟ لا، ليس هذا المراد، وإنما المراد أن يُفسر الإيمان بالعمل الباطن وما يصححه من الظاهر، لأننا قَعَّدْنَا قاعدة أن ثَمَّ تلازمًا بين الظاهر والباطن، فكيف نفصل الإيمان نقول: هو العمل الباطن فقط ولا يصححه شيء من الظاهر؟ هل يوجد عمل باطن كالمحبة والإخلاص ولا يستلزم الظاهر؟ قلنا: لا وجود له، فكيف نصل بين النوعين؟ هذا الذي أراده شيخ الإسلام في (( كتاب الإيمان الكبير ) )فبين وهذا حقٌ لا بد من اعتقاده وهو أن الإيمان إذا اجتمع مع الإسلام فسر الإيمان بالباطن، لكن هذا الباطن لا بد أن من شيء يصححه، وكذلك فسّر الإسلام بالظاهر، صلاته مجردة دون إخلاص؟ لا، ليس هذا المراد، فلا بد من شيء يصححه من الباطن، فكل منهما وإن افترقا إلا أنه مفتقر إلى الثاني. قوله: ( «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ» ) بالنصب خبر (أكون) . قوله: ( «من ولده» ) هذا يشمل الذكر والأنثى، وبدأ بمحبة الولد لأن تعلق القلب به أشد يعني من تعلقه بأبيه، وهو الغالب يحب ابنه أكثر من أبيه، هذا غالب الناس، وهو مفرد مضاف فيعمّ ( «من ولده» ) يعني من أولاده ليس المراد به واحد، ( «ووالده» ) وإن علا، كجده وأمه وإن علت، وكذلك هو مفرد مضاف، ( «والناس أجمعين» ) ، هذا عطف عام على الخاص، والصحيح جوازه وهو موجود كثير في القرآن والسنة، عطف العام على الخاص، ( «والناس أجمعين» ) دخل فيه الولد والوالد وخصهما للاهتمام، ( «والناس أجمعين» ) الأقربين الأدنون وكذلك غيرهما، فلا يتم إيمان عبد حتى يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من جميع المؤمنين، وإذا كان هذا في شأن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما الظن بمحبة الله تعالى. فهي من باب أولى وأحرى.
في الحديث: أن الأعمال من الإيمان، لأن المحبة عمل، لأن من المرجئة من ينفي عمل القلب بأنه داخل في مسمى الإيمان، والحديث هنا دل ماذا؟ ( «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب» ) إذًا كمال الإيمان الواجب يكون في إفراده بالمحبة، دل ذلك على أن المحبة من عمل القلب، وهي من الإيمان، وقد نُفِيَ الإيمان عمن لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه مما ذكر فدل على ذلك.
وفيه أن نفي الإيمان لا يدل على خروجه من الإسلام، وهو كذلك، ليس كل من نُفِي عنه الإيمان خرج من الملة.
وفيه أن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، لأن المفرط هنا وقع في ماذا؟ وقع في كبيرة من الكبائر فدل على وجوبها، بل انتفاء أصلها دليل على خروجه من الملة.
وفيه وجوب تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على محبة النفس.