فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 2014

حينئذٍ لمّا كان للقضاء في لسان العرب - هذه الفائدة من ذكر هذه الأقوال - لما كان للقضاء معانٍ مختلفة في لسان العرب تعين أن يكون قضى في هذه الآية بمعنى القضاء الكوني تحكم، واضح؟ إذا كان للقضاء معانٍ مختلفة، قلنا: يأتي بمعنى الأمر، وبمعنى الخلق، وبمعنى فُرِغَ من كذا، وبمعنى الحكم. إذًا جاء عندنا نص كقوله تعالى: ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) قلنا: مُستند ابن عباس إن صح عنه أن القضاء هنا قضاء كوني، ولذلك قال بأن قضى محرف عن وصى، لماذا؟ أصله وصى ربك حينئذٍ إذا قيل قضى لزم أن يكون كل مخلوق قد عبد الله عز وجل، فحمل اللفظ هنا على واحد من المعاني وهو القضاء الكوني. نقول: هذا منتقض إذ صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منتقض بماذا؟ أن هذا لفظ جاء في القرآن يَرِدُ السؤال هل له حقيقة شرعية أم لا؟

قضى لوحدها هكذا هل له حقيقة شرعية أو لا؟ نقول: لا، ليس له حقيقة شرعية، فإذا كان كذلك حينئذٍ نبحث في لسان العرب ما يوافق ما بعد اللفظ قضى بماذا؟ ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ} ) وسبق معنا تقرير ذلك في قوله: ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) بأن اللام هنا للتعليل الشرعي حينئذٍ خلق الجن والإنس فعلى الأول ليفعل بهم هو الثاني أو ليفعلوا هم الثاني؟ الثاني، يعني ليفعلوا هم الثاني. إذًا قد يقع وقد لا يقع. إذا بهذه الآية حينئذٍ نقول: لا يتعين أن يكون قضى بالمعنى الكوني، وإنما نجعله بالمعنى الشرعي لأن ما بعده موافق لقوله تعالى ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ، وموافق لقوله: ( {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) ولذلك ذكرنا أن ابن تيمية رحمه الله تعالى يرى أن هذه الآية مثل قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ} ... [النساء:64] ثم قد يطاع وقد يعصى، يعني لا يطاع. إذًا عرفنا أن هذه المعاني ثابتة حينئذٍ نتخير منها المعنى الذي يوافق النص، وكون المقضي به في النص هو عبادة الرب جل وعلا، ولا يمكن أن تكون عبادة الرب جل وعلا قد وجبت على الخلق إيجابًا كونيًّا لأنه كما سبق أنه قد خلق بعض الجن والإنس لجهنم، وما خلق لجهنم حينئذٍ لا يكون مأمورًا بالعبادة، ولذلك قرأ ابن مسعود في الآية السابقة (وما خلقت الجن والإنس من أهل السعادة - أو قال من المؤمنين - إلا ليعبدون) قيَّدَ النص ليدل على أن العبادة إنما تقع من أهل الإيمان. إذًا هذه معان متعددة والأوفق أن يكون المعنى الأول هو المراد وهو قضى بمعنى أمر، ويكون القضاء هنا المراد به القضاء الشرعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت