قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى» .. إلى آخره) . يعني إلى آخر النص السابق، هذه الرواية أخرجها البخاري رحمه الله تعالى في (( الصحيح ) )في كتاب الأدب ولفظه «لا يجد أحدٌ حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر» . «أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع» أن يصير في الكفر «بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» هذه الرواية مؤكدة للمعنى السابق ( «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» ) التصريح هنا في ماذا؟ في الرواية السابقة ( «من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» ) قلنا: (من) هذه شرطية مفهومه مفهوم المطابقة المنطوق ماذا؟ ترتب الحلاوة على الوجود، مفهوم المخالفة ما هو؟ عدم الحلاوة عند عدم وجودها، كُلاًّ أو بعضًا، المفهوم دل عليه الحديث السابق انتفاء الحلاوة عند انتفاء هذه الخصال دل عليه بالمفهوم، والرواية الثانية جاءت بالعكس جاء بالمنطوق قال: ( «لا يجد أحد حلاوة الإيمان» ) . هذا نفي، إذًا منطوق هذا النص، هو مفهوم النص السابق، فجمع المصنف بينهما كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى من باب التأكيد، وإلا ليس فيه فائدة تزيد على المعنى السابق، إلا أنه المنطوق والمفهوم كل منهما دليل يعتبر في إثبات الأحكام، ونعم أن المنطوق أقوى من المفهوم، هذا مُسَلَّم به لكن لا يلزم أنه يعامل معاملة المنطوق، يعني المفهوم لا يعامل معاملة المنطوق، بل هو دليل شرعي صحيح فتثبت به الأحكام الشرعية إذا تعارض مع منطوق حينئذٍ نقول: القاعدة تعارض المنطوق مع المنطوق له قواعده من حيث التقديم والتأخير، كذلك إذا تعارض المفهوم مع المنطوق على الصحيح، فحينئذٍ يعامل معاملة المنطوق مع المنطوق، وإنما ذكر هذه الرواية الثانية لأن انتفاء وجدان حلاوة الإيمان في الرواية الأولى عن طريق المفهوم مفهوم المخالفة مفهوم الشرط، وفي الرواية الثانية عن طريق المنطوق، ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم هذا مُسَلَّمٌ به، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون دلالة المفهوم معتبرةً شرعًا، لا، تثبت بها الأحكام الشرعية وتخصص العام إذا كان منطوقًا وتقيده إن كان مطلقًا هذا لا إشكال فيه، بل قد يُقَدّم المفهوم على المنطوق إذا كان متأخرًا، ونحو ذلك فتجري عليه جميع الأحكام، متى نقول: نلجأ إلى قاعدة المنطوق أقوى من المفهوم؟ في حالة واحدة، وهي عند عدم إمكان الجمع بين النصين فنقول: من المرجحات أن المنطوق مُقدم على المفهوم لأن المنطوق أقوى من المفهوم، وهذا لا يلزم منه أن المفهوم لا تَثْبُت به الأحكام شرعية، أما نقول: القرآن دلالته أقوى من دلالة السنة؟ أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: طريقه الثبوت من حيث الدلالة القطعية، ومن حيث الثبوت القطعي، المتواتر أقوى من الآحاد، حينئذٍ القوة لا تستلزم ماذا؟ هجر ما كان ضعيفًا أو دون الأقوى، يعني هو ضعيف نسبي باعتبار الأقوى هذا كذلك في المنطوق والمفهوم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه فضيلة تقديم محبة الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - على محبة من سواهما.