قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقد صارت عامةُ مؤاخاة الناس، عامة يعني أكثر ولم يجد العموم من كل وجهٍ مؤاخاة الناس يعني مودتهم ومصاحبتهم على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا، أي أنه إذا ضعف داعي الإيمان أحب دنياه، وأحب لها وآخى لأجلها وهذا تلازم، من كمل عنده الإيمان كملت عنده محبة الرحمن. إذًا لازم ذلك ماذا؟ أنه يحب من يحب أهل الإيمان لذات محبة الله تعالى، وإذا ضعفت المحبة في القلب حينئذٍ يكون حبه للناس لأي شيء لغرض دنيوي، إذا كانت المحبة في قلبه ضعيفة ضعف الإيمان عنده حينئذٍ يلزم من ذلك الضعف فيما يتعلق بها، قلنا: من تفريعها، تفريع المحبة ماذا؟ أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فإذا ضعفت حينئذٍ ضعف هذا أو هذه الخصلة الثانية فتوزعت النيات والإرادات، أي أنه إذا ضَعُف داعي الإيمان أحب دنياه، وأحب لها، وآخى لأجلها وهذا هو الغالب وعلى أكثر الخلق، في ذاك الزمان والآن أشد، فإنك لا تجد غالبهم إلا وهو يقدم محبة دنياه ويُؤثر ما يهواه على ما يحببه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالمؤاخاة على أمر الدنيا كما قال ابن عباس: لا يجدي على أهله شيئًا. يعني لا ينفعهم أصلًا، بل يحصل العكس وهو الضرر، لا ينفعهم أصلًا بل يضرهم كما قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] لم يستثنِ إلا أهل التقوى ومن عداهم فهم أعداء في الآخرة وإن كان ظاهرهم الصداقة في الدنيا فهذا حال كل خُلةٍ ومحبةٌ كانت في الدنيا على غير طاعة الله، فإنها تعود عداوةً وندامةً يوم القيامة بخلاف المحبة والخلة على طاعة الله تعالى فإنها من أعظم القربات كما جاء في الحديث حيث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال فيه: «رجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه» . وفي الحديث القدسي الذي رواه مالك وابن حبان في صحيحه: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، وللمتجالسين فيَّ وللمتزاولين فيَّ وللمتباذلين فيَّ» . وهذا كلام قاله ابن عباس في أهل زمانه فإذا كانت هذه البلوى قد عمت بها في زمن ابن عباس وهو خير القرون بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان فوقع ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من غربة الإسلام، وأنه سيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء.