قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقال ابن عباس في قوله) هذا الأثر الثاني ولذلك قلنا فيما سبق: ذكر آيتين وحديثين وأثرًا أو أثرين جعلنا السابق أنه في حكم المرفوع فهو في قوة الحديث السابق. (وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} قال: المودة.) هذا الأثر رواه عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم صححه وهو صحيح ثابتٌ، وكان بعضهم يشير إلى أنه ضعيف لكن الصواب أنه ثابت، ويشير ابن عباس إلى قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة: 166] تتمة الآية التي بوب لها المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب ( {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} ) جمع سببٍ، وهو أي السبب كل ما يُتوصل به إلى شيء يُسمى سببًا حسيًّا أو معنويًّا، ومنه سُمِّيَ الحبل سببًا، فالمتبعون بنص الآية كانوا على الهدى وأتباعهم ادَّعوا أنهم على طريقتهم وهم مخالفون لهم ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم ويتبرؤون منهم يوم القيامة. يعني الْمُتَّبَعُون كانوا على هدى، والذين اتبعوهم خالفوهم ظنوا أن المحبة تكفي، أن المحبة كافيةٌ في ذلك - والصواب أنه لا تكفي - ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرؤون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوه أولياء من دون الله وهكذا حال كل من اتَّخَذَ من دون الله وليًّا، فإن الله عز وجل أبطل ذلك العمل وقطع تلك الأسباب، {تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} يعني المودة، فالمحبة وحدها سببٌ منقطعٌ لماذا؟ لأنه لم ينبنِ عليه أثره وهو الإتباع. المخالفة مع ادّعاء المودة هذا سببٌ منقطعٌ في الآخرة. قال: ولم يبقَ إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو تجريد عبادته وحده من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة، وتجريد متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه، وهو كذلك.