قوله: (المودة) أي المحبة، ومر معنا أن المحبة صفاء المودة، كما قال ابن القيم، المودة أي المحبة التي كانت بينهم في الدنيا تقطعت بهم وخانتهم أحوج ما كانوا إليها وتبرأ بعضهم من بعضٍ كما قال تعالى: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} ... [العنكبوت: 25] وهذه الآية وإن نزلت في المشركين عُباد الأوثان الذين يحبون أندادهم وأوثانهم كحب الله فإنها عامةٌ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولهذا قال قتادة {تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} قال: أسباب الندامة يوم القيامة، والأسباب المواصلة التي يتواصلون بها ويتحابون بها، فصارت عداوة يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا. ورواه عبد بن حميد وابن جرير فهذا حال من كانت مودته لغير الله فاحذر من ذلك. وقول ابن عباس: المودة مع أن الأسباب جمع، وفسرها بواحدة بسببٍ واحد يدل على ماذا؟ على القاعدة المشتهرة التي ينبغي التمسك بها في فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله ع أن الصحابي إذا فسر كلمة، فالمراد به ذكر فرد من الأفراد، إذا كان اللفظ عامًا فالعبرة بالعموم، وما ذكره الصحابي فهو فرض من أفراض ذلك العموم، أما أن نقصر العموم على ذلك الفرض فهذا خلاف السائغ عند أهل العلم لا يدل عليه دليل لا نقلي ولا عقلي، بل إجماع عملي من أهل العلم على أن ما يذكره الصحابة إنما هو تفسير لبعض اللفظ، وهذا ذكره ابن تيمية في (( مقدمة التفسير ) )التي ألفها في ذلك المعنى.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه أن حصول محبة الله لعبده ونصرته له مشروط بأمرين:
الأول: محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالقلب.
الثاني: إظهار محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالفعل مع مناصرة أوليائه وجهاد أعدائه.
ويستفاد من الأثر السابق كذلك بيان أن الأسباب التي تنال بها محبة الله لعبده ونصرته لعبده ما هي؟ محبة الله تعالى ومحبة رسوله ع مع وجود اللوازم والعلامات الدالة على صدق هذه المحبة.
ثانيًا: وصف الله بالمحبة على ما يليق بجلاله، الله يُحِبُّ ويُحَبُّ.
ثالثًا: مشروعية وفضيلة الحب في الله والبغض في الله وأنه لا يغني عنها كثرت الأعمال الصالحة.
رابعًا: مشروعية مناصرة المؤمنين وإعانتهم وبغض الكافرين وجاهدهم.
خامسًا: ذم الحب والبغض من أجل دنيا وبيان سوء عقيدته.
سادسًا: بيان ثمرة الحب في الله والبغض في الله من ذوق طعم الإيمان والتلذذ به.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل) . أي في الباب مسائل.
(الأولى: تفسير آية البقرة) .
[وهي قوله] التي تَرجم لها أو تَرجم بها، (تفسير آية البقرة) وهي قوله: ( {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا} ) . قلنا: أمثالًا ونظراء ( {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} ) يعني محبة تعظيم وخضوع سواء كان الفاعل المحذوف هو الضمير العائد إليهم كحب عباد الأوثان لله تعالى أو كان المؤمنين، الخلاف سائغ في هذه المسألة.
(الثانية: تفسير آية براءة) .