إذً هذه كلها متلازمة، بعضها يلزم من وجوده وجود الآخر، فأما أن يكون محبًّا ولا يكون خائفًا، أو يكون خائفًا ولا يكون محبًّا هذا لا وجود له في الشرع البتة، وإن ادَّعَاه من ادَّعَى، وبيان كلامهم أن دعوى الحب لله تعالى بلا تذلل ولا خوفٍ ولا رجاءٍ ولا خشيةٍ ولا رهبةٍ ولا خضوعٍ دعوى كاذبة، من ادَّعَى المحبة والخوف هكذا دون أن يكون ثَمَّ ما يدل على الباطل حينئذٍ نقول: هذه مجرد دعوى ولا تقبل. ولذا ترى من يَدَّعِي ذلك كثيرًا ما يقع في معاصي الله عز وجل ويرتكبها ولا يبالي، وإنما المحبة نفس وفاق العبد ربه، هذه المحبة ليست بكما يَدَّعِي الصوفية العشق وهيجان القلب كأنه يهزّ رأسه وبدنه شوقًا إلى الله تعالى، ثم يَدَّعِي أن هذه المحبة التي أرادها الله تعالى، لا، إنما المحبة هي نفس وفاق ما أراده الله عز وجل من العبد حينئذٍ نقول: هذا مُحبّ لله تعالى وليست مجرد دعوى، وإنما المحبة نفس وفاق العبد ربه فيحب ما يحبه ويرضاه، ويُبغض ما يكرهه ويأباه، ويدور مع مراد الرب جل وعلا الشرعي وليس الكوني، وإنما تُتُلَقَّى معرفة محاب الله ومعاصيه معرفة ما يُبغضه الله تعالى من طريق الشرع، يعني الوحيّ، وإنما تحصل بمتابعة الشارع كما سبق بيانه في الآية الواضحة البينة، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] فالإتباع علامة المحبة، انتفاء الإتباع دليل على انتفاء المحبة، فالميزان هو موافقة الشرع، فمتى ما وافق الشرع في الظاهر حينئذٍ نقول: هذا وافق ما أراده الله عز وجل منه، ثم نظن ظنًّا ولا نقطع بأنه يحب الله تعالى وهذا الذي أراده وبينه سبحانه وتعالى كما مر معنا فيما سبق، فمن ادَّعَى محبة الله ولم يكن متبعًا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو كاذب، ولذلك قال السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. والزنديق هو المنافق على المشهور، وإن كان بعضهم يفرق بين الزنديق والمنافق لكن المشهور أنه هو بعينه، وهل له توبة أو لا؟ الصحيح أنه له توبة تقبل منه التوبة لعموم الدالة على ذلك، وكذلك الرجاء وحده إذا استرسل فيه العبد، يعني نظر إلى عفو الله عز وجل وشمول كرمه وجوده ولم يستحضر إلا ذاك ونَسِيَ عذابه وعقابه وناره وما توعد به العصاة لم يلتفت إلى ذلك، وإنما التفت إلى جانب دون آخر {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} حينئذٍ نقول: هذا يُوَلِّدُ في النفس ماذا؟ الجرأة على المعاصي، ولذلك قال: إذا استرسل مع الرجاء وحده حينئذٍ تجرأ العبد على معاصي الله وأَمِنَ مكر الله تعالى، وقد قال الله تعالى: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] .