فهرس الكتاب

الصفحة 1338 من 2014

وسيأتي باب خاص بذلك، فمن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، وكذلك الخوف وحده إذا استرسل فيه العبد ساء ظنه بربه، يعني لا ينظر عكس المرجئ لا ينظر إلا إلى وعيد الله عز وجل، فإذا وقع في معصيةٍ حينئذٍ لم يستحضر إلا شدة عذاب الباري جل وعلا حينئذٍ يقع في القنوط واليأس، وهذا محرم شرعًا، حينئذٍ إذا استرسل مع الخوف وحده ساء ظن العبد بربه، وهذا وقع في معصية بل قد يصل به إلى حد الكفر والخروج من الملة، وقَنَطَ من رحمة ويأس من روحه، فقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] . وسيأتي باب يتعلق بذلك، وقال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحجر: 56] . إذًا من عبده بالخوف وحده فهو حروري يعني خارجيّ، الحرورية هم الخوارج، فالأمن من مكر الله خسران، واليأس من روحه كفران، والقنوط من رحمة الله تعالى ضلال وطغيان، وعبادة الله عز وجل بالحبّ والخوف والرجاء توحيد وإيمان، هكذا قال الحكمي في (( معارج القبول ) )، فالعبد المؤمن بين الخوف والرجاء، يعني يجمع بين الأمرين لا يُغَلِّب جانبًا على جانب وإن كان المسألة فيها نزاع بين السلف كما قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] . جمع بين الأمرين، إذًا يتصف بالرجاء برحمة الله عز وجل ويتصف كذلك بالخوف من عذاب الباري جل وعلا ولذلك جمع بينهما هنا بالواو الدالة على مطلق الجمع، وقَدَّمَ الرجاء وفي آيةٍ أخرى أو آياتٍ أُخَر قدَّم الخوف حينئذٍ كلٍّ منهما واردٌ، قد يقال بأنه باعتبار الأشخاص يختلف الحكم الشرعي بالنسبة إليه، {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] . وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} [الزمر: 9] . الحذر هنا الخوف {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} هنا قدّم الحذر الخوف على الرجاء، الآية السابقة قدّم الرجاء على الخوف كلاهما محتمل، لأن الأصل فيما قدّمه الباري جل وعلا هو أولى بالتقديم، لا يقدِّم إلا ما كان أولى بالتقديم فقدَّم هذا تارة وقدَّم هذا تارة، يدل على ماذا؟ على أن حال المؤمن تارةً يقدّم الرجاء، وتارة يقدّم الخوف فليس قاعدة عامة تتعلق بهذه المسألة، وبين الرغبة والرهبة كما قال تعالى في آل زكريا عليهم السلام: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] ، {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قدّم الرغب وهو نوعٌ من الرجاء، وأخّر الرهب وهو نوعٌ من الخوف {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} فتارةٌ يُمِدُّه الرجاء والرغبة فيكاد أن يطير شوقًا إلى الله، وطورًا يقبضه الخوف والرهبة فيكاد أن يذوب من خشية الله، فهو دائبٌ في طلب مرضاة ربه مُقْبِلٌ عليه خائفٌ من عقوباته، ملتجئٌ منه إليه، عائذٌ به منه، راغبٌ فيما لديه، فدين الله تعالى بين الغلو والجفاء، والتفريط والإفراط، وخير الأمور الأوساط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت